مراتب الناظر في المعارف فإنه يعلم أولا بما يرى عليه من النعم الظاهرة والباطنة أن له ربا ، ثم يتغلغل في النظر حتى يتحقق أنه غني عن الكل وذات كل شيء له ومصارف أمره منه فهو الملك الحق ، ثم يستدل به على أنه المستحق للعبادة لا غير ويدرج في وجوه الاستعاذة المعتادة تنزيلا لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات إشعارا بعظم الآفة
شرح
مراتب الناظر في المعارف ) ضمن الإشعار معنى الاطلاع فعدى ب « على » فإن الإشعار لا يتعدى ب « على » يقال : شعرت بالشيء أشعر شعرا أي فطنت له ومنه قولهم : ليت شعري أي ليتني علمت ، وأشعرته فشعر أي أدريته فدرى ، ويقال : أطلعتك على سري . فإن الاستعاذة أولا بلفظ الرب ، ثم توضيحه بلفظ الملك ، ثم بلفظ الإله تطلع السامع على أن أول ما يعرفه الناظر بنظره أن له ربا ، ثم يترقى في باب المعرفة فيتحقق أنه ملك ، ثم ينتهي إلى معرفة أنه إله . فإن الناظر في المعارف يعلم أولا بسبب ما يرى عليه من النعم أن له ربا يربيه بأنواع النعم ثم يتغلغل أي يتعمق في النظر حتى يتحقق أي يتيقن أنه غني عن الكل وأن جميع ما سواه يفتقر إليه وهو المعنى بالملك ، فإنه إذا علم أن جميع ما عليه من النعم الظاهرة والباطنة إنما يفاض عليه من ربه يترقى إلى معرفة أن وجود كل موجود وما يتفرع على أصل وجوده من أنواع الفضل ووجوه الإحسان إنما يفاض عليه من خزائن رحمته التي وسعت كل شيء ويتحقق عنده أنه غني عن الكل وأنه ملكهم .
قوله : ( ويدرج في وجوه الاستعاذة المعتادة ) أي يمشي من قولهم : درج الرجل والضب يدرج دروجا أي مشى ، فإن عادة المستعيذ أن يلتجىء أولا إلى ما تيسر مما يظنه مأمنا ثم يترقى منه إلى ما هو أكمل وأقوى في كونه مأمنا ، ثم يترقى إلى منتهى المطالب والملجأ الحقيقي . ولما كانت صفة الألوهية منتهى معارف الناظر وصفة الملكية دونها وكانت صفة الربوبية مبدأ معارفه . ذكر من أوصاف المستعاذ به أولا صفة الربوبية ثم صفة الملكية ثم صفة الألوهية تنزيلا لهذه الصفات منزلة الذوات المتفاوتة في الملجئية ، فقوله : « ويدرج » عطف على قوله : « ويستدل » أي يستدل الناظر ويمشي في طريق نظره مشى من يمشي في وجوه الاستعاذة المعتادة . والظاهر أن العبارة و « تدرج » بالعطف على قوله : « وإشعار والمعنى وفي هذا النظم دلالة على كذا واطلاع على مراتب الناظر في المعارف وتدرج » أي ترقي على سبيل التدريج إلى منتهى معارف الناظر على وجوه تدرج المستعيذ على أن تكون كلمة « في » بمعنى « على » وبكون قوله : « تنزيلا » علة للمتدرج إليه على وجوه تدرج المستعيذ ويكون قوله : « إشعارا بعظم الآفة » علة للتدرج المذكور بعد تعليله بقوله : « تنزيلا » ووجه الإشعار أن المستعيذ لما أمر بأن يتدرج في الاستعاذة بمن لا يدرك بكنه ذاته بل إنما يدرك بحسب أوصافه بأن يصفه أولا بأول ما يحصل للنظر من أوصافه ويذكره بذلك الوصف ، ثم يذكره