النَّاسِ
( 1 ) لما كانت الاستعاذة في السورة المتقدمة من المضار البدنية وهي تعم الإنسان وغيره ، والاستعاذة في هذه السورة من المضار التي تعرض للنفوس البشرية وتخصها ، عمم الإضافة ثمة وخصصها بالناس ههنا فكأنه قيل : أعوذ من شر الموسوس
شرح
آنست الشيء بمعنى أبصرته ، والقياس يقتضي أن يجوز إطلاقه على كل مبصر إلا أنه خص بالبشر عرفا . وعند غيره لم يحذف منه شيء . وأصله نوس لقولهم في تصغيره نويس فهو من النوس بمعنى الحركة ، فكان القياس أن يطلق على كل متحرك إلا أنه خص بالبشر عرفا .
وقال آخرون : هو من الأنس الذي هو ضد الوحشة لأنه يؤنس به . وقيل : هو من النسيان وأصله الناسي بياء في آخر الكلمة على أنه اسم فاعل من نسي ينسى فحذفت الياء من آخره اكتفاء بالكسرة . وقرىء « قل أعوذ برب » بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام ونحوه :فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ[ البقرة : 260 ]وَقَدْ أَفْلَحَ[ طه : 64 ] وأجمع القراء على ترك الإمالة في الناس . وروي عن الكسائي الإمالة فيه إن كان في موضع الجر .
قوله : ( لما كانت الاستعاذة إلى قوله عمم الإضافة ثمة وخصصها بالناس ههنا ) جواب عما يقال : ما الفرق بين السورتين حتى أضيف لفظ الرب في السورة المتقدمة إلى الفلق بمعنى جميع الممكنات المفلوق عنها ، وأضيف ههنا إلى الناس وهو رب العالمين وملكهم وإلههم وليست ربوبيته بالنسبة إلى الناس خاصة ؟ وتقرير الجواب أن ما وقع مضافا إليه في السورتين مظهر واقع موقع المضمر لأنه عليه الصلاة والسّلام وهو المأمور بالاستعاذة وحق المستعيذ أن يستعيذ بسيد نفسه ومالكه ومدبر أمره ، فمقتضى الظاهر أن يقال في السورتين :
أعوذ بربي إلا أنه لما كان الشر المستعاذ منه في السورة المتقدمة ليس شر عالم الخلق بل شر عالم العنصريات من الأجسام والجسمانيات ، فإن الغاسق والنفاثات والحاسد كلها من عالم العنصريات وشر هؤلاء مضار بدنية متعلقة بالأجسام . والشر المستعاذ منه في هذه السورة وهو الوسوسة يختص بالنفس الإنسانية ناسب للمستعيذ في السورة الأولى أن يدرج نفسه في جملة من يتضرر بشر عالم الخلق ويعبّر عمن يستعيذ به وبربوبيته لمن يتضرر بالشر المستعاذ منه ، فلذلك قيل في تلك السورةبِرَبِّ الْفَلَقِبدل أن يقول بربي ، فإن الفلق يعم جميع الممكنات فضلا عن العنصريات ولذا ناسب في هذه السورة أن يدرج المستعيذ نفسه في جملة من يتضرر بالوسوسة ويعبّر عمن يستعيذ به بربوبيته لمن يتضرر بها وهو نوع البشر ويقول :أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِفي موضع أن يقول بربي ، فلذلك أضيف لفظ الرب ثمة إلى ما يعم الناس وغيرهم وأضيف ههنا إلى الناس خاصة إلا أن هذا التوجيه مبني على أن يفسر الفلق بما يعم جميع الممكنات كما اختاره المصنف فينبغي أن يكون تقرير السؤال هكذا : لم عدل عن ضمير المتكلم إلى الاسم الظاهر ؟ ثم لم أوثر لفظ رب الفلق في إحدى السورتين