يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ
( 5 ) إذا غفلوا عن ذكر ربهم وذلك كالقوة الوهمية ، فإنها تساعد العقل في المقدمات فإذا آل الأمر إلى النتيجة خنست وأخذت توسوسه وتشككه . ومحل « الذي » الجر على الصفة أو النصب أو الرفع على الذم .
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
( 6 ) بيان للوسواس أو للذي أو متعلق بيوسوس أي يوسوس في صدورهم من جهة الجنة والناس . وقيل : بيان للناس على أن المراد به ما يعم الثقلين ، وفيه تعسف
شرح
قوله : ( وذلك كالقوة الوهمية ) شبّه الشيطان بها من حيث إنه يساعد الإنسان في اتباع المعاصي والمنكرات ، وإذا آل أمره إلى طاعة اللّه تعالى خنس وأعرض عنه وأخذ في المكر والحيلة ليصرفه عنها كما أن القوة الوهمية تساعد العقل في المقدمات ، فإذا آل الأمر إلى النتيجة خنست وأخذت توسوسه وتشككه . قوله : ( ومحل الذي الجر ) على أنه صفة الوسواس أو النصب أو الرفع على الذم ، وعلى الوجهين الأخيرين يحسن للقارئ أن يقف على « الخناس » ويبتدئ بقوله :الَّذِي يُوَسْوِسُلطول الكلام . قوله : ( من الجنة والناس بيان للوسواس أو للذي ) على معنى أن الشيطان الموسوس ضربان جني وإنسي كما قال اللّه تعالى :شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ[ الأنعام : 112 ] عن أبي ذر رضي اللّه تعالى عنه أنه قال لرجل : هل تعوذت باللّه من شر شيطان الإنس ؟ فقيل له : هل للإنس من شيطان ؟ قال : نعم .
واستدل بالآية . قوله : ( أو متعلق بيوسوس ) فتكون « من » لابتداء الغاية أي يوسوس في صدورهم من جهة الجن ومن جهة الناس مثل أن يوقع في القلب من جهة المنجمين والكهان أنهم يعلمون الغيب ، ومن جهة الجن أنهم يضرون وينفعون .
قوله : ( وقيل بيان للناس ) أي المذكور في قوله تعالى :فِي صُدُورِ النَّاسِبناء على جواز أن يطلق اسم الناس على الجن كما يطلق على الإنس استدلالا بتسمية الجن نفرا ورجالا كما في قوله تعالى :وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ[ الأحقاف : 29 ] وقوله :يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ[ الجن : 6 ] وكل واحد منهما من الألفاظ المستعملة في الإنس . والمصنف رحمه اللّه تعالى عد هذا القول تعسفا بناء على أن إطلاقه على القبيلين بعيد عن اللغة ، فإن أهل اللغة اتفقوا على أن كل واحد من لفظي الجن والإنس موضوع بإزاء حقيقة مباينة للحقيقة التي وضع بإزائها اللفظ الآخر ، وعلى أن إحدى الحقيقتين سميت جنا لاجتنانها أي تسترها عن أعين الناس ، والأخرى ناسا لظهور إفرادها للبصر على أن الناس من الإيناس وهو الإبصار قال تعالى :آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً[ القصص : 29 ] أي أبصر ، فكما لا يطلق اسم الجن على بني آدم لعدم اجتنانهم عن أعين الناس فكذلك ينبغي أن لا يطلق اسم الناس على الجن لعدم تعلق الإيناس والإبصار بهم ، إلا أن يكون الناس من النسيان ويكون أصله الناس وحذفت ياؤه اكتفاء بالكسرة ، فحينئذ يمكن أن يطلق اسم الناس على القبيلين لأن