عشرة عقدة في وتر دسه في بئر فمرض عليه الصلاة والسّلام ، فنزلت المعوذتان وأخبره جبرائيل بموضع السحر . فأرسل عليّا كرم اللّه وجهه فجاء به فقرأهما عليه ، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد بعض الخفة . ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور لأنهم
شرح
إحدى عشر آية بعدد العقد التي عقدها لبيد بن أعصم اليهودي . روي أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فأغوته اليهود حتى أخذلهم مشاطة رأس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعدة أسنان من مشطه وأعطاهم إياها فسحروه فيها ، وكان الذي تولى ذلك رجل منهم يقال له لبيد بن أعصم ، ثم دسها في بئر لبني زريق يقال لها ذروان . فمرض النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وانتثر شعر رأسه واشتد عليه ذلك ثلاث ليال فجعل يتألم ولا يدري ما عراه ، فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : ما بال الرجل ؟ قال : طب . قال : وما طب ؟ قال : سحر . قال : ومن سحره ؟ قال : لبيد بن أعصم اليهودي . قال : وبم طبه ؟ قال : بمشط ومشاطة . قال : وأين هو ؟ قال : في جف طلعة تحت راموقة في بئر ذروان . والجف وعاء الطلع وقشره ، والراموقة حجر من أسفل البئر يترك هناك إذا احتفرت البئر ليجلس عليه من ينقى البئر عند الاحتياج إلى تنقيتها . فانتبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مذعورا وقال : « يا عائشة أما شعرت أن اللّه تعالى أخبرني بدائي » . ثم بعث عليه الصلاة والسّلام عليا والزبير وعمار بن ياسر فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء ثم رفعوا الصخرة فأخرجوا الجف ، فإذا فيه مشاطة رأسه عليه الصلاة والسّلام وأسنان من مشطه وإذا وتر معقد فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر ، فأنزل اللّه تعالى هاتين السورتين . فقال جبريل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : اقرأ آية وحل عقدة . فجعل عليه الصلاة والسّلام كلما قرأ آية انحلت عقدة ، ووجد عليه الصلاة والسّلام بعض خفة حتى إذا انحلت العقدة الأخيرة قام صلّى اللّه عليه وسلّم كأنما نشط من عقال ، وجعل عليه الصلاة والسّلام يقول : « بسم اللّه أرقيك من كل شيء يؤذيك من حاسد وعين واللّه يشفيك » . والمعتزلة أنكروا صحة هذه الرواية وتأثير السحر فيه عليه الصلاة والسّلام وقالوا : كيف يمكن القول بصحتها وهو تعالى يقول :وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[ المائدة : 67 ] وقال :وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى[ طه : 69 ] ولأن تجويزه يفضي إلى القدح في النبوة ، ولأن الكفار كانوا يعيرونه بأنه مسحور ، ولو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في ذلك التعيير ومعلوم أن ذلك غير جائز . وقال أهل السنة : هذه القصة قد صحت عند جمهور أهل النقل وصحتها لا تستلزم صدق الكفرة في قولهم إنه عليه الصلاة والسّلام مسحور ، وذلك لأنهم كانوا يريدون بكونه عليه الصلاة والسّلام مسحورا أنه أزيل عقله بسبب السحر فلذلك ترك دين آبائه . فأما أن يكون مسحورا بألم يجده في بدنه فذلك مما لا ينكره أحد . وبالجملة فاللّه تعالى ما كان يسلط عليه شيطانا ولا إنسيا ولا جنيا يؤذيه فيما يتعلق