المضار فيه تكثر ويعسر الدفع ولذلك قيل : الليل أخفى للويل وقيل : المراد به القمر فإنه يكسف فيغسق ووقوبه دخوله في الكسوف .
وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ
( 4 ) ومن شر النفوس ، أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها . والنفث النفخ مع ريق . وتخصيصه لما روي أن يهوديا سحر النبي عليه الصلاة والسّلام في إحدى
شرح
المتعلقة بعالم الخلق سواء كانت طبيعية أو اختيارية ، وشر الليل الغاسق مندرج فيه فما معنى تخصيصه بالذكر والاستعاذة منه بخصوصه ؟ وتقرير الجواب أن تخصيصه بالذكر مع اندراجه فيما ذكر قبله للإشارة إلى تفخيم شره لكثرة وقوعه فيه وعسر دفعه . أما كثرته فلأن السباع تخرج في الليل من آجامها والهوام من مساكنها وكذا السراق وسائر مترصدي الفرصة ينتشرون فيه لقصد الإضرار . وعن عكرمة : أن عفاريت الجن ترسل في تلك الساعة . وأما عسر دفع ما وقع فيه من الشر فلأن ظلمة الليل أستر للقاصد بالسوء فيظفر بمن قصده على غرة وغفلة فلا يتمكن من دفعه بنفسه ولا بالاستعانة بغيره لأن الغوث يقل فيه ، ولذلك يقال : الليل أخفى للويل بمعنى أنه أستر لما يؤدي إلى الويل والهلاك فيكثر الإضرار فيه بما يؤدي إليه .
قوله : ( وقيل المراد به ) أي بالغاسق إذا وقب هو القمر مسمى به لأنه يكسف فيغسق أي يذهب ضوؤه ويسود ، ووقوبه دخوله في الكسوف واسوداده . ودليله ما روي أنه عليه الصلاة والسّلام أخذ بيد عائشة رضي اللّه عنها فأشار إلى القمر وقال : « استعيذي باللّه من شر هذا فإنه الغاسق إذا وقب » قال الإمام : وعندي فيه أي في تسمية القمر غاسقا وجه آخر . وهو إن صح أن القمر في جرمه غير مستنير بل هو مظلم فهو المراد من كونه غاسقا ، وأما وقوبه فهو المحاق وانمحاق نوره في آخر الشهر والمنجمون يقولون : إنه في آخر الشهر يكون منحوسا قليل القوة لأنه لا يزال ينتقص نوره ولا يزداد وسبب ذلك نحو سنته ، ولذلك لا تشتغل السحرة بالسحر الذي يورث التمريض إلا في ذلك الوقت . وهذا مناسب لسبب نزول السورة فإنها نزلت لأجل أنهم سحروا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأجل التمريض . و« إِذا »في قوله تعالى :إِذا وَقَبَمنصوب « بأعوذ » أي أعوذ باللّه من كذا في وقت كذا . قوله : ( والنفث النفخ مع ريق ) وقيل : إنه النفخ فقط أي بلا ريق . ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام : « إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها » . الجوهري : التفل شبه بالبزق وهو أقل منه أوله البزق ثم التفل ثم النفث .
قوله : ( وتخصيصه ) أي وتخصيص النفث بالذكر والاستعاذة من شره بخصوصه مع اندراجه تحت شر عالم الخلق وقد استعيذ منه مطلقا ، فلم تبق حاجة إلى الاستعاذة من شره بخصوصه إلا أنه خص بالذكر لما أن السورة نزلت للاستعاذة من شر السواحر النفاثات ، فاقتضت الحكمة أن تذكر النفاثات بخصوصهن ويستعاذ من شرهن لتكمل آيات السورتين