تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 730

مساهمون:

ص٧٣٠
مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ
( 2 ) خص عالم الخلق بالاستعاذة منه لانحصار الشر فيه ، فإن عالم الأمر خير كله وشره اختياري لازم ومتعد كالكفر والظلم وطبيعي كإحراق النار وإهلاك السموم .
وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ
ليل عظم ظلامه من قوله : إلى غسق الليل . وأصله الامتلاء يقال : غسقت العين إذا امتلأت دمعا ، وقيل : السيلان وغسق الليل انصباب ظلامه وغسق العين سيلان دمعها .
إِذا وَقَبَ
( 3 ) دخل ظلامه في كل شيء وتخصيصه لأن
شرح
في أنه تعالى حين أمر بالاستعاذة عند افتتاح قراءة القرآن قال :فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ[ الأعراف : 200 ] وآيات أخرى . وقال هنا :قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِفعبّر عن المستعاذ به باسم الرب ولم يقل : قل أعوذ باسم اللّه مع أن اسم اللّه أشرف الأسماء ؟ وأجاب عنه بأن الشر المستعاذ منه في هذه السورة الكريمة هو الشر المضاف إلى عالم الخلق وهو عالم المحسوسات والأجسام والجسمانيات ، وإنما سمي عالم الأجسام والجسمانيات بعالم الخلق لأن الخلق هو التقدير والمقدار من لواحق الجسم وشرور عالم الخلق مضار بدنية ، والإعاذة من المضار البدنية تربية ، فناسب ذلك أن يعبّر عمن يعيذ من تلك المضار باسم الرب فكأنه أمر بأن يقول : يا رب كما ربيتني من أول زمان تكويني إلى هذا الوقت بأنواع التربية ، فأدم تلك التربية ، بأن تحفظني فيما بقي من عمري ولا تقطعها عني بالتقصير في شكر نعمك . وكلمة« ما »في قوله تعالى :مِنْ شَرِّ ما خَلَقَيجوز أن تكون موصولة وعائدها محذوف أي من شر الذي خلقه مما يكون له شر وضرر وأن تكون مصدرية أي من شر خلقه بمعنى مخلوقه على أن يكون المصدر بمعنى المفعول . قوله : ( وشره اختياري الخ ) قسم الشرور المضافة إلى عالم الخلق إلى الاختياري والطبيعي ، وقسم الاختياري إلى اللازم والمتعدي أي إلى ما لا يتعدى أثره إلى غير فاعله بل يلزمه كالكفر وسائر الآثار اللازمة وإلى ما يتعدى أثره إلى فاعله كالظلم سواء تعلق بالمال أو بالبدن أو بالعرض ويدخل فيه افتراس السباع وعضها وأكلها ولذع الحيات والعقارب . قوله : ( ليل عظم ظلامه ) يعني أن الغاسق بمعنى عظيم الظلام صفة لمحذوف وهو الليل ، كأنه لشدة ظلامه وتكاثفه ظرف امتلأ ظلمة . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : الغاسق الليل إذا أقبلت ظلمته واجتمعت وتكاثفت من قولهم : غسقت العين إذا امتلأت دمعا ، وغسق الجرح إذا امتلأ قيحا . وأسند الشر إلى الليل الغاسق وإن لم يكن من فعله لملابسته له واشتماله عليه من حيث وقوعه فيه . قوله : ( وقيل السيلان ) عطف على قوله : « الامتلاء » يقال : غسق الجرح غسقا أي سال منه الصديد ، وسمي الليل غاسقا لانصباب ظلامه على الأرض . قوله : ( وتخصيصه ) جواب عما يقال : قوله تعالى :مِنْ شَرِّ ما خَلَقَيتناول جميع الشرور