تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 729

مساهمون:

ص٧٢٩
العائذ ما يخافه . ولفظ الرب ههنا أوقع من سائر أسمائه لأن الإعاذة من المضار تربية .
شرح
من تحت ظلمة العدم ، ولا يخفى أن الصبح من جملة الأمور الداخلة في هذا العام فيكون التعظيم في حمل الفلق على جميع الممكنات أتم وأعظم ، فما وجه تخصيصه بالصبح ؟ وتقرير الجواب أن التعميم وإن كان فيه مناسبة لهذا المقام إلا أن التخصيص يناسب مقام الاستعاذة من وجه أخر من حيث إن مقصود العائذ من الاستعاذة أن يتغير حاله بأن يخرج من حال ضيق الخوف والخشية إلى فضاء الأمن والسعة ويتخلص من وحشة الهم والحزن بنيل الفرح والسرور . وتخصيص الصبح أدل على هذا المقصود لما فيه من تغير الظلمة وزوالها بإشراق أنوار الصبح وضيائها وتبدل وحشة الليل وثقله بسرور الصبح وخفته . فإن الليل له ثقل يكون الإنسان فيه كلحم على وضم وهو الخشب الذي يقطع القصاب عليه اللحم ، فإذا طلع الصبح تبدل ذلك بالخفة والسرور ولهذا تجد لكل مريض ومهموم خفة في وقت السحر . روي أن يوسف عليه الصلاة والسّلام لما ألقي في الجب وجعته ركبته وجعا شديدا فبات ليلته ساهرا ، فلما قرب طلوع الصبح نزل جبريل عليه الصلاة والسّلام بإذن اللّه تعالى يسأله ويأمره بأن يدعو ربه فقال : يا جبريل ادع أنت وأنا أؤمن . فدعا جبريل وأمّن يوسف عليه الصلاة والسّلام فكشف اللّه تعالى ما كان به من الضر ، فلما طاب وقت يوسف قال : يا جبريل وأنا أدعو أيضا وأنت تؤمن . فسأل اللّه أن يكشف الضر عن جميع أهل البلاء في ذلك الوقت . فلا جرم ما من مريض إلا ويجد نوع خفة في آخر الليل . روي أن دعاءه في الجب كان هذا . يا عدتي في شدتي . ويا مؤنسي في وحشتي ، ويا راحم غربتي ، ويا كاشف كربتي ، ويا مجيب دعوتي ، ويا إلهي وإله إبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ارحم صغر سني . وضعف ركني وقلة حيلتي يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام . وفي وقت الصبح أيضا محاكاة لاختلاف أحوال الناس في فاتحة يوم القيامة حيث إن الخلق في الليل كالأموات ودورهم كالقبور ، ثم منهم من يخرج من داره مفلسا عريانا لا يلتفت إليه ومنهم من كان مديونا فيجر إلى الحبس ، ومنهم من كان ملكا مطاعا فيقدم إليه المركب وتقوم الناس بين يديه ، فكذا الحال في يوم القيامة بعضهم مفلس من الثواب عار عن لباس التقوى ، ومنهم من عليه من حقوق اللّه تعالى وحقوق عباده ما لا يطاق حمله فيجر إلى الملك الجبار ، ومنهم من كان عبدا مطيعا لربه في الدنيا فصار ملكا مطاعا في العقبى يقدم إليه البراق . ولما اشتمل وقت الصبح على هذا التغير والتبدل وكان حاكيا لاختلاف أحوال الناس في فاتحة يوم القيامة كان تخصيص الفلق به مناسبا لمقام الاستعاذة لإشعاره بأن من قدر على التغيرات المدلول عليها بالصبح يقدر أيضا على أن يدفع عن العائذ كل ما يخافه ويحترز منه . قوله : ( ولفظ الرب ههنا أوقع ) أي أليق وأنسب وقوعا جواب عما يقال : ما السبب