مفعول وهو يعم جميع الممكنات فإنه تعالى فلق ظلمة العدم بنور الإيجاد عنها سيما ما يخرج من أصل كالعيون والأمطار والنبات والأولاد ، ويخص عرفا بالصبح ولذلك فسر به . وتخصيصه لما فيه من تغير الحال وتبدل وحشة الليل بسرور النور ومحاكاة فاتحة يوم القيامة ، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن
شرح
وتشقق ، والفرق بمعنى التمييز والتبيين قال اللّه تعالى :وَقُرْآناً فَرَقْناهُ[ الإسراء : 106 ] أي بينّاه ، والفرق بين الشيئين فيه معنى الشق إذ به يصير كل واحد منهما فرقة متميزة عن الأخرى . والمصنف حكم بأن كل واحد من لفظي الفلق والفرق بفتح العين فيهما فعل بمعنى مفعول أي بمعنى المفروق عنه والمفلوق عنه ، وذلك إنما يكون بأن يكون الشيء مستورا محجوبا فيشق الحجاب الساتر عن وجه ذلك الشيء المستور فيظهر ذلك المستور وينكشف بانشقاق ما ستره من الحجاب وزواله ، وذلك الحجاب المنشق مفلوق والمحجوب المنكشف بانشقاقه مفلوق عنه والظاهر أن يبقى الفلق بمعنى المفلوق عنه على عمومه فيتناول كل ما يفعله اللّه تعالى من الممكنات وإن شاع تفسيره بالصبح ، يقال : انفلق وانفرق الصبح ويقال للشيء الجلي : إنه أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح لأن الليل يفلق عنه ويفرق عنه . فإن الممكنات بأسرها أعيان ثابتة في علم اللّه تعالى مستورة تحت ظلمة العدم فإن ظلمات العدم غير متناهية لعدم تناهي المعدومات الممكنة وساترة لجميع الممكنات ، واللّه تعالى فالق تلك الظلمات بنور التكوين والإيجاد ومظهر ما في علمه من المكونات فكانت بأسرها مفلوقا عنها كصبح صار مفلوقا عنه بفلق ظلمة الليل عنه ، فظهر أن مفهوم المفلوق عنه يعم جميع الممكنات إلا أنه مقول عليه بالتشكيك ، فإنه أظهر وأولى فيما يخرج من أصل كالعيون من الأرض والأمطار من السحاب والنبات من الحب والنوى والأرض والأولاد من الأرحام ، فإن معنى المفلوق عنه أظهر فيها بالنسبة إلى المخلوق على وجه الإبداع . قوله : ( ويخص عرفا بالصبح ) هذا الفرق مبني على أن يكون نور الصبح وضوء النهار أصلا سابقا يطرأ عليه ظلمة الليل فتستره تارة وتنفلق عنه أخرى ، وهو عكس ما يدل عليه قوله تعالى :وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ[ يس : 37 ] فإنه يدل على أن ظلمة الليل أصل يغشاها ضوء النهار عند طلوع الشمس فتصير كزنجي ليس ثوبا شفافا وينسلخ عنها عند غروبه ، ويؤيده تقديم الظلمات على النور في قوله تعالى :وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ[ الأنعام : 1 ] ويشهد عليه العقل أيضا ولا ضير إذ لكل وجهة . قوله : ( وتخصيصه لما فيه من تغير الحال ) جواب عما عسى أن يقال : مقام الاستعاذة والاعتصام يقتضي تعظيم المستعاذ به ، ولا شك أن تعظيمه على تقدير تعميم الفلق لجميع الممكنات أعظم وأقوى منه على تقدير تخصيصه بالصبح ، فإن المعنى على الأول : قل يا محمد أعوذ وأعتصم برب جميع الممكنات البارزة