يناسب أن يكون وأما هذا فتوحيد يقول به تارة ويؤمر بأن يدعو إليه أخرى .
شرح
معبود بل لكل واحد مني ومنكم معبود على حدة ؟ أو أن يوادعهم أي يتركهم وما يدينون ولأنه كيف لا يليق بالمؤمن أن يحكم على أحد ويقول له من عند نفسه أنك ممن ختم اللّه على قلبه فلا تؤمن أبدا ولا تعبد اللّه لحظة ؟ وإنما يتأتى له ذلك إذا بيّن اللّه تعالى أن الأمر كذلك وأمره أن يخبره بذلك وأن سورة تبت معاتبة عمه عليه السّلام . ومن المعلوم أيضا أن معاتبة العم ومشافهته بهذا التغليظ الشديد لا يناسب أن تقع منه عليه السّلام لا من عند نفسه ، ولا بأن يكون مأمورا بها من قبله تعالى لأن للعم حرمة كحرمة الأب لأن أب الرجل وعمه شعبتان من أصل واحد كما قال عليه الصلاة والسّلام : « عم الرجل صنو أبيه » وكل من كان في منصب الرسالة والدعوة إلى الحق يجب أن تكون معاملته مع أعمامه باللطف واللين كما قال تعالى لموسى وهارون عليهما الصلاة والسّلام :فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً[ طه : 44 ] وقال لسيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم :وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ[ آل عمران : 159 ] فإذا وجب مراعاة اللين مع عامة القوم فكيف بالعم الذي هو كالأب في استحقاق التعظيم والتكريم ؟ لا سيما ممن هو على خلق عظيم ومبعوث رحمة للعالمين فلذا لم تصدر سورة تبت بكلمة « قل » صونا له عليه السّلام من أن يشافه عمه بالشتم والتغليظ ، وأن شتمه عمه الخبيث بقوله : تبا لك ألهذا دعوتنا ؟ فكأنه تعالى يقول : اسكت أنت وتخلق بما نزل عليك من قولي :وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً[ الفرقان : 63 ] فأنا أجيب عنك وأشتمه فأنزل قوله :تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍففيه تنبيه على أن من لم يشافه السفيه كان اللّه تعالى ذابا عنه وناصرا له ومعينا . فقد روي أن أبا بكر رضي اللّه عنه كان إذا آذاه أحد يبقى ساكتا ولم يكافئه بسوء ، فجاء رجل فشتمه فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدفع ذلك الشاتم ويزجره . فلما شرع أبو بكر في الجواب سكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال أبو بكر : ما السبب في ذلك ؟ قال : « لأنك ما دمت ساكتا فالملك يجيب عنك ، فلما شرعت في الجواب انصرف الملك وجاء الشيطان » وأما سورة الإخلاص فإنها توصيف له تعالى بالوحدة والصمدية وتنزيه له تعالى عن الأولاد والأكفاء ، فصح أن يصدر عنه عليه الصلاة والسّلام من تلقاء نفسه وأن يؤمر بأن يدعو إليه ، فجاز لذلك كونها مصدرية ب « قل » وكونها غير مصدرة به وهذا ما فهمته من قول المصنف :
« ولعل ذلك » إلى آخره إلا أنه محل تأمل لأن قوله : وتَبَّتْمعاتبة عمه فلا يناسب أن يكون منه يدل على أنه عليه الصلاة والسّلام لا مدخل له في هذا الكلام على تقدير عدم تصوير السورة ب « قل » سوى كونه تاليا لكلام اللّه المنزل إليه . وقوله : « يقول به » يدل على أنه عليه الصلاة والسّلام يتكلم به من قبل نفسه على تقدير عدم تصديرها ب « قل » فبينهما تدافع ، ولأن تعليل وجوب تصدير إحدى السورتين ب « قل » وعدم جواز التصدير به في الأخرى بقوله