تحتمل من قومك ما لا يحتمله أمثالك . وسئلت عائشة رضي اللّه عنها عن خلقه فقالت :
كان خلقه القرآن ألست تقرأ في القرآن
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[ المؤمنون : 1 ]
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ( 5 ) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ
( 6 ) أيكم الذي فتن بالجنون والباء مزيدة ، أو بأيكم الجنون على أن المفتون مصدر كالمعقول والمجلود ، أو بأي الفريقين منكم الجنون أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين ؟ أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم .
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ
وهم المجانين على الحقيقة .
وَهُوَ أَعْلَمُ
شرح
مشتمل على الأخلاق الجميلة المرضية ومجبول عليها حتى صارت بمنزلة الأمور الطبيعية .
والخلق ملكة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة فنفس الإتيان شيء وسهولة إتيانها شيء آخر ، فالحالة التي باعتبارها تحصل تلك السهولة هي الخلق . وسمي خلقا لرسوخه وثباته وصيرورته بمنزلة الخلقة التي جبل عليها الإنسان وإن توقف حصولها على اعتمال وطول رياضة ومجاهدة . قوله : ( فقالت كان خلقه القرآن ) يعني أنه عليه الصلاة والسّلام كان متحليا بما في القرآن من مكارم الأخلاق ، ومتخليا عما يزجر عنه القرآن من سيئاتها . قوله : ( أيكم الذي فتن بالجنون ) إشارة إلى أن « أيكم » مبتدأ و « المفتون » بمعنى المجنون خبره وسمي المجنون مفتونا لأنه فتن أي محن بالجنون ، وأن الباء مزيدة في المبتدأ كما في قولك : بحسبك زيد قيل : هذا الوجه ضعيف لأن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في لفظ حسب فقط . قوله : ( أو بأيكم الجنون ) على أن تكون الباء للإلصاق كما في قولك : به داء ، ويكون « المفتون » مصدرا بمعنى الفتون وهو الجنون وقد يجيء المصدر على وزن المفعول نحو : معقول وميسور ومجلود يقال : ما لفلان معقول ولا مجلود أي ما له عقل ولا جلادة .
وعلى قوله : « أو بأي الفريقين منكم الجنون » تكون الباء بمعنى « في » . وفسر ضمير الخطاب في قوله : « بأيكم بالفريقين » مع أن الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولجماعة قريش وإلا لعبّر عن الفرد بالفريق . ويدل على كون الخطاب له صلّى اللّه عليه وسلّم ولفريق قريش ما سبق من قوله تعالى :فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَفإن خطاب تبصر له عليه الصلاة والسّلام خاصة ولا تدخل فيه الأمة فينبغي أن لا تدخل الأمة في خطاب أيكم أيضا ، إلا أنه أدخلت الأمة فيه وجعل عليه الصلاة والسّلام مع أمته فريقا وجماعة قريش فريقا آخر لئلا يرد أن يقال : كيف يصح أن يقال لجماعة وفرد آخر يقابلهم في أيكم زيد ؟ وهذا الوجه أوجه من الوجهين الأولين لإفادته التعريض وسلامته من حمل اللفظ على الاستعمال النادر وهو زيادة الباء في المبتدأ وجعل صيغة المفعول بمعنى المصدر . قوله : ( وهم المجانين على الحقيقة ) يعني أن الظاهر أن يقال : وهو أعلم بالمجانين والعقلاء لأنه هو المناسب لقوله :فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَإلا أنه وضع الضال والمهتدي موضع المجانين والعقلاء إشعارا بأن المجنون في الحقيقة هو من