وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً
على الاحتمال أو الإبلاغ
غَيْرَ مَمْنُونٍ
( 3 ) مقطوع أو ممنون به عليك من الناس فإنه تعالى يعطيك بلا توسط .
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
( 4 ) إذ
شرح
يكون بانتفاء نفس المقيد بل اللازم هو مجرد انتفاء القيد سواء كان انتفاؤه بانتفاء مجموع القيد والمقيد أو بانتفاء نفس القيد فقط ، كما قيل من أن نفي المقيد يرجع إلى نفي قيده .
فكون الحال قيد المجنون يستلزم ثبوت أصل الجنون مع انتفاء الحال وهو باطل ولا يلزم هذا المحذور على تقدير أن يكون العامل معنى النفي للفرق بين قولنا : الجنة المقيدة بكونها في حال كذا منفية وبين قولنا : الجنة منتفية في حال كذا ، فإن القيد فيه للنفي لا للمنفي . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أنه قال : غاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن خديجة رضي اللّه عنها إلى حرا فلم تجده ، فإذا به ووجهه متغير فقالت له : ما لك ؟ فذكر نزول جبريل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم وأنه قال له :اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ[ العلق : 1 ] فهو أول ما نزل من القرآن . قال : ثم نزل بي إلى قرار الأرض فتوضأ وتوضأت ثم صلى وصليت معه ركعتين وقال : هكذا الصلاة يا محمد .
فذكر صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك لخديجة فذهبت خديجة إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها وكان قد خالف دين قومه ودخل في النصرانية فسألته فقال لها : ارسلي إليّ محمدا . فأرسلته فأتاه فقال : هل أمرك جبريل أن تدعو أحدا ؟ فقال : « لا » فقال : واللّه لئن بقيت إلى دعوتك لأنصرنك نصرا عزيزا . فمات قبل دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوقعت تلك الواقعة في ألسنة كفار قريش فقالوا : إنه مجنون فأقسم اللّه تعالى على أنه ليس بمجنون في خمس آيات منها أول هذه السورة . ثم قال ابن عباس : إن أول ما نزل قوله تعالى :سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ[ الأعلى : 1 ] وهذه الآية هي الثانية . رواه الإمام في الكبير . قوله : ( على الاحتمال أو الإبلاغ ) أي على احتمال طعنهم فيك بالجنون وسائر أقوالهم القبيحة ، أو على تبليغ أحكام رسالتك إليهم ودعائهم إلى التوحيد والطاعة . والممنون إما من منّ الشيء إذا قطعه فتكون الآية نظير قوله تعالى :عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ[ هود : 108 ] أو من منّ عليه منة أي امتن عليه أي وإن لك لأجرا غير مكدر عليك بسبب المنة عليك من الناس . وهو رد على صاحب الكشاف حيث فسره بقوله : غير ممنون به عليك لأنه ثواب تستوجبه على عملك وليس بتفضل ابتداء وإنما تمن الفواضل لا الأجور على الأعمال . ووجه الرد أنه غير مستقيم على كل واحد من المذهبين : إما على مذهب أهل السنة فلأن الثواب عندهم محض تفضل وإنما سمي أجرا تشبيها له بالأجر من حيث كونه موعودا بمقابلة العمل ، وأما عند المعتزلة فلأن الثواب وإن كان أجرا عندهم إلا أن الإقدار والتمكين على العمل تفضل منه تعالى ابتداء فيصح أن يمن به على العبد ، فإذا صح أن يمن على العبد بنفس العمل يصح أن يمن عليه بالأجر المترتب عليه . وكلمة « على » في قوله تعالى :وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍللاستعلاء المجازي فدلت على أنه عليه الصلاة والسّلام