فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ
( 53 ) بمجرد تلك الصيحة وفي كل ذلك تهوين أمر البعث والحشر واستغناؤهما عن الأسباب التي ينوطان بها فيما يشاهدونه .
فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 54 ) حكاية لما يقال لهم حينئذ تصويرا للموعود وتمكينا له في النفوس ، وكذا قوله :
إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ
( 55 ) متلذذون في النعمة من الفكاهة . وفي تنكير
« شُغُلٍ »
وإبهامه تعظيم لما هم فيه من البهجة والتلذذ ، وتنبيه على أنه أعلى ما يحيط به الإفهام ويعرب عن كنهه الكلام . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو « في شغل » بالسكون ويعقوب في رواية « فكهون » للمبالغة وهما خبران ل « أن » . ويجوز أن
شرح
كفرهم به وتنبيها على أن الذي يهمهم هو السؤال عن البعث بأن يقولوا : يا ويلنا ما هذا البعث الذي وعد اللّه به على ألسنة رسله . قوله تعالى :( مُحْضَرُونَ )دليل على أن كونهم ينسلون إجباري لا اختباري أي فإذا هم مجتمعون لدينا من غير أن يتخلف منهم أحد ويحضرون مواقف الحساب ، كما أن ينسلون معناه يسرعون إلى موقف حساب ربهم . ثم بيّن ما يكون في ذلك اليوم بقوله :فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاًأي لا ينقص من ثواب طاعتها ولا يحمل عليها معصية غيرها وقوله : « فاليوم » منصوب « بلا تظلم » و « شيئا » مفعول له أو مصدر أي شيئا من الظلم ، فقوله : « لا تظلم نفس » لأمان المؤمن وقوله :وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَليأس الكافر . قيل : ما الفائدة في إيسار طريق الخطاب عند الإشارة إلى يأس المجرم والعدول عن الخطاب عند الإشارة إلى أمان المؤمن ؟ فالجواب أن قوله :لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاًيفيد العموم وهو المقصود في هذا المقام فإنه تعالى لا يظلم أحد أمؤمنا كان أو كافرا ، وأما قوله :لا تُجْزَوْنَفيختص بالكافر لأن اللّه تعالى يجزي المؤمن بما لم يفعله من جهة الوراثة وجهة الاختصاص الإلهي يختص برحمته من يشاء كما أنه يجزيه من جهة الأعمال ، فلذلك ترك الخطاب في الأول وجاء الثاني بالخطاب . وقوله : « من الفكاهة » بفتح الفاء وهي طيب العيش والنشاط . قال الجوهري : الفكاهة بالضم المزاح والفكاهة بالفتح مصدر فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس فرحا ذا نشاط من التنعم . فلما فسر الفاكه بالمتلذذ المتنعم وجب أن يكون قوله : « من الفكاهة » بفتح الفاء وإنما يكون من الفكاهة بالضم أن لو فسر « فاكهون » بمازحون . وقيل : فاكهون بمعنى أصحاب فاكهة كما يقال لابن وتأمر وعاسل . وقرىء « فكهون » بالقصر وضم الكاف وهو لغة في فهكون يقال : رجل فكه وفكه كما يقال : رجل حذر وحذر ونطس ونطس . قال في الصحاح : النطس المبالغة في التطهر وكل من أدق النظر في الأمور واستقصى علمها فهو متنطس يقال منه : رجل نطس ونطس أي ذكي دقيق النظر في الأمور . قوله : ( وهما خبران لأن ) يعني قوله : « في شغل »