تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
الاستفهام
أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ
( 31 ) بدل من « كم » على المعنى أي ألم يروا كثرة
شرح
يقال : سرت كم فرسخا . و « كم » الخبرية محمولة عليها لمشاركتها إياها في إفادة الإبهام ، فقوله : « لأن أصلها الاستفهام » يريد به أن الاستفهامية أصل في أن لا تكون معمولة لما قبلها والخبرية محمولة عليها ، لا أن إحداهما أصل للأخرى بحسب نفس اللفظ لأن كل واحدة منهما أصل بنفسها ولكنهما لفظان مشتركان بين الاستفهام والخبر ، فلما كان « يروا » معلقا عن « كم » كانت « كم » منصوبة المحل على أنها مفعول « أهلكنا » تقديره : كثيرا من القرون أهلكنا . قوله : ( بدل من كم على المعنى ) أي لا من حيث اللفظ لأن « ألم يروا » لما لم يعمل في « كم » لفظا لا يعمل في بدله أيضا ، بل العامل في « كم » لفظا هو « أهلكنا » فلو كانأَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَبدلا من « كم » من حيث اللفظ لوجب أن يكون معمولا لأهلكنا أيضا لأن المبدل على نية تكرار العامل ، ولو سلطت « أهلكنا » على « أنهم » لاختل المعنى إذ لا معنى لقولنا : أهلكنا انتفاء رجوعهم وأهلكنا كونهم لا يرجعون ، فوجب أن يكون بدلا من « كم » على المعنى وأن يكون معمولا لما عمل في « كم » معنى وهو « ألم يروا » لأن الفعل المعلق ممنوع من العمل لفظا وعامل معنى وتقديرا ، لأن معنى قولك : علمت لزيد قائم علمت قيام زيد كما هو كذلك عند انتصاب الجزأين لفظا ، فمن ثمة جاز عطف الجزأين المنصوبين على الجملة المعلق عنها نحو : علمت لزيد قائم وبكرا قاعدا ، فيكون المعنى ما ذكره من قوله : ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم مع أن « كم » مفعول « أهلكنا » لفظا . ولقائل أن يقول : كما لا يصح أن يكون بدلا على اللفظ كما ذكره لا يصح أيضا أن يكون بدلا على المعنى ، لأن كونهم غير راجعين إليهم ليس كثرة الإهلاك فلا يكون بدل كل من كل ، وليس بعض الإهلاك فلا يكون بدل بعض من كل ، ولا يكون بدل اشتمال إذ يصح أن يضاف إلى ما أبدل منه وهذا لا يصح هنا ، فإنه لا يقال : ألم يروا انتفاء رجوع كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم ، وفي بدل الاشتمال لو قلت : أعجبتني الجارية ملاحتها أو سرق زيد ثوبه يصح أن يقال : أعجبتني ملاحة الجارية وسرق ثوب زيد ولا يصح الإضافة ههنا فلا يقال : ألم يروا انتفاء رجوع كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم ويمكن أن يقال : إنه من قبيل بدل الكل من الكل لأن كونهم غير راجعين إليهم عبارة عن إهلاكهم بالكلية ، والمعنى : ألم يروا أن خروجهم من الدنيا ليس كخروج أحدهم من منزله إلى السوق أو بلد آخر ثم يعود إلى منزله عند إتمام مصلحته هناك بل هو مفارقة من الدنيا أبدا . وفي أعجبتني الجارية ملاحتها وسرق زيد ثوبه يصح أن يقال : أعجبتني ملاحة الجارية وسرق ثوب زيد . وقيل : هو بدل الكل من الكل لأن كونهم غير راجعين عبارة عن إهلاكهم لأنه لازم له عبّر به عنه تجوّزا .