تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
تعالى فهذه من الأحوال التي من حقها أن تحضري فيها وهي ما دل عليها
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( 30 ) فإن المستهزئين بالناصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدارين أحقاء بأن يتحسروا أو يتحسر عليهم ، وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين . ويجوز أن يكون
شرح
الحسرة وتوجب التلهف . فإنك إذا قلت لمن هو مقبل عليك : يا زيد ما أحسن ما صنعت كان ذلك أبلغ وآكد في إفادة المطلوب من قولك : ما أحسن ما صنعت لتصدر الأولى بما ينبه المخاطب ويجعله متوجها لما يلقى إليه من المطلوب . فكذا إذا قلنا : أعجب مما فعلت فقد أفدته أنك متعجب مما فعله ولو قلت : يا عجبا مما فعلت كان أبلغ في إفادة أنك متعجب فكأنك قلت : أيها العجب أقبل فهذا وقت إقبالك وحضورك . وقوله تعالى :ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍالآية استئناف في حيز الجواب عن السؤال عن سبب التحسر عليهم فلا يكون لهذه الجملة محل من الإعراب . والألف واللام في العباد قيل : للعهد وهم الذين أخذتهم الصيحة من قوم حبيب ، فإنهم لما كانوا بحيث ما يأتيهم من رسول من الرسل الثلاثة يهديهم إلى ما فيه خير الدارين إلا كانوا به يستهزئون كانوا أحقاء بأن يتحسر عليهم حيث ضيعوا خير الدارين واستحقوا العذاب فهم المتحسرون والمتحسر عليهم . وقيل : لتعريف الجنس أي جنس الكفار المصرين على التكذيب والاستهزاء فإنهم أيضا أحقاء بأن يتحسروا على أنفسهم حال استهزائهم برسلهم . قوله : ( أو يتحسر عليهم ) إشارة إلى أن المتحسر عام والمعنى : إن الأمر لفخامته وشدته بلغ إلى حيث كل من يتأتى منه التلهف إذا نظر إلى حال استهزائهم بالرسل تحسر عليهم وقال : يا لها من حسرة وخيبة على هؤلاء المحرومين حيث بدلوا الإيمان بالكفر والسعادة بالشقاوة . وقوله : « وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون » إشارة إلى أن المتحسر كل من يعتد منه بالتحسر كما في قوله :وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ[ البقرة : 159 ] فقد حكي عن حبيب أنه حين قتل كان يقول : اللهم اهد قومي ، وبعد ما قتلوه وأدخل الجنة قال :يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَفصح أن يتحسر المسلم للكافر ويتلهف له وعليه . وقوله : « على سبيل الاستعارة » أي لأن حقيقة التحسر مستحيلة على اللّه لأنها ما يلحق المتحسر من شدة الندم على وجه لا نهاية بعده حتى يبقى حسيرا لا موضع فيه للزيادة على ذلك القدر من الندم كالبصر الحسير الذي لا قوة فيه للنظر . والبعير الحسير الذي لا قوة له على المسير يقال : حسر البعير حسورا إذا أعيى فهو حسير وحسر بصره إذا كلّ وانقطع نظره وتحسر الإنسان على غيره تلهف ورقة تعتريه مما يلحق صاحبه من مشقة وشدة وغايته أن يستعظم ذلك الأمر وينكر على ارتكابه كيف تورط فيه ، فالتحسر في حق اللّه تعالى يراد به غايته