تحسرا من اللّه عليهم على سبيل الاستعارة لتعظيم ما جنوه على أنفسهم ، ويؤيده قراءة « يا حسرتا » ونصبها لطولها بالجار المتعلق بها ، وقيل : بإضمار فعلها والمنادى محذوف .
وقرىء « يا حسرة العباد » بالإضافة إلى الفاعل أو المفعول و « يا حسرة على العباد » بإجراء الوصل مجرى الوقف .
أَ لَمْ يَرَوْا
ألم يعلموا وهو معلق عن قوله :
كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ
لأن « كم » لا يعمل فيها ما قبلها وإن كانت خبرية لأن أصلها
شرح
فيكون كالألفاظ التي وردت في حقه تعالى كالضحك والنسيان والسخرية والتعجب والتمني .
وأشار المصنف إليه بجعل المستعار له تعظيم اللّه تعالى لجنايتهم على أنفسهم والفرق بين أن يكون يا حسرة على العباد تحسرا من اللّه تعالى عليهم مثل كون يا عجبا مما فعلت تعجبا من القائل ، وبين أن يقوله اللّه تعالى لإفادة أن هذه الحال من حقها أن تحضر فيها الحسرة وأن أصحابها أحقاء بأن يتحسروا على أنفسهم أو يتحسر عليهم كل من يتأتى منه التحسر أو كل من يعتد بتحسره من الملائكة والمؤمنين ، أن قوله :يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِعلى الأول إنشاء التحسر من القائل مثل كون يا عجبا لإنشاء التعجب منه وغايته أن يحمل على المجاز لامتناع حمله على الحقيقة ، وعلى الثاني يكون المقصود منه الإخبار بأن هذه الحال من حقها أن يتحقق فيها الحسرة من أصحابها أو من غيرهم ولا يلزم أن يكون من يقول : يا حسرة ويا ندامة متحسرا ونادما لا حقيقة ولا مجازا . قوله : ( ويؤيد قراءة يا حسرتا ) وجه التأييد أن أصله : يا حسرتي قلبت الياء ألفا لأن الألف والفتحة أخف من الياء والكسرة فإن نحو : يا غلامي يخفف على وجهين : حذف الياء اكتفاء بالكسرة وقلبها ألفا لما ذكر فيكون يا حسرتا من القلب . قوله : ( ونصبها لطولها ) أي لكونها شبيهة بالمنادى المضاف في طولها بالجار المتعلق بها . وقيل : إنها مصدر مؤكد لفعلها المضمر وكلمة « على » حينئذ متعلقة بذلك الفعل المضمر والمنادى محذوف تقديره : يا هؤلاء تحسروا حسرة أو يا قوم تحسروا حسرة وقوله :
« بالإضافة » إلى الفاعل أو المفعول فيكون العباد فاعلين للحسرة . فإن العباد الهالكين يتحسرون على أنفسهم وكذا الملائكة والمؤمنون يتحسرون على الكفار حين كذبوا الرسل أو حين شاهدوا عذابهم على معنى أنهم يتحسرون على غيرهم حين يرون عذابهم أو يتحسر عليهم غيرهم . وقرىء « يا حسرة » بالهاء المبدلة من تاء التأنيث وصلا وكأنهم أجروا الوصل مجرى الوقف . لما مثّل حال كفار مكة بحال أصحاب القرية في تكذيب الرسول الناصح وبيّن إهلاكهم بصيحة واحدة عقبه بأن سجل عليهم بأنهم قد علموا أن المهلكين بسبب تكذيب الرسل غير منحصر فيهم بل هم طوائف كثيرة فلم لا يعتبرون بهم . والقرن أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود واستدل على أن « كم » هنا خبرية لأنه أبدل منها ما ليس استفهاما وهو قوله :أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَوالاستفهامية لا يعمل فيها ما قبلها فلا