تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
استحقار لإهلاكهم وإيماء بتعظيم الرسول عليه السّلام .
وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ
( 28 ) وما صح في حكمتنا أن ننزل جندا لإهلاك قومه إذ قدرنا لكل شيء سببا وجعلنا ذلك سببا لانتصارك من قوك . وقيل :
« ما »
موصولة معطوفة على
« جُنْدٍ »
أي ومما كنا منزلين على من قبلهم من حجارة وريح وأمطار شديدة
إِنْ كانَتْ
ما كانت الأخذة أو العقوبة
إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً
صاح بها جبريل . وقرىء بالرفع على « كان » التامة
فَإِذا هُمْ خامِدُونَ
( 29 )
شرح
استحقار لإهلاكهم وهو ظاهر ، وإيماء إلى تعظيم رسولنا صلّى اللّه عليه وسلّم . ووجهه أنه لما ظهر أن تحريك ريشة من جناح ملك وأدنى صيحة كان كافيا في إهلاك مدائن جماعات شتى علم أن إنزال الجنود من السماء يوم بدر والخندق كما يدل عليه قوله تعالى :فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها[ الأحزاب : 9 ] وقوله :بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ[ الأنفال : 9 ] وقوله :بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ[ آل عمران : 124 ] منزلين وقوله :بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ[ آل عمران : 125 ] كل ذلك لم يكن إلا تعظيما لشأنه وإجلالا لقدره لا لاحتياجه إلى الملائكة في المظاهرة والمعاونة . قوله : ( وما صح في حكمتنا ) إشارة إلى أن « ما » الثانية نافية كالتي قبلها فتكون الجملة جارية مجرى التأكيد للأولى يقال : انتصر منه أي انتقم وقيل : « ما » الثانية موصولة ومحلها النصب عطفا على موضع « جند » أي من جند من الذي كنا منزلين . قيل عليه : إنه يستلزم أن تكون « من » الاستغراقية مزيدة ، ومذهب البصريين ، غير الأخفش ، أنه لا تزاد إلا في كلام غير موجب ولا يكون مجرورها إلا نكرة ، فينبغي على قول من يقول إن « ما » الثانية اسم معطوف على « جند » أن يجعلها نكرة موصوفة أي ومن عذاب كنا منزليه والجملة بعدها صفة لها . فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى :مِنَ السَّماءِوهو تعالى كما لم ينزل عليهم جندا من السماء لم يرسل عليهم جندا من الأرض ؟ فالجواب أن العذاب نزل عليهم من السماء فتبين أن النازل لم يكن جندا وإنما كان صيحة أخذتهم وخربت ديارهم . قوله : ( على كان التامة ) أي ما وقعت إلا صيحة واحدة . وأنكرت النحاة قراءة الرفع وضعفوها لأجل تأنيث الفعل وقالوا : القياس فيه وفي نظائره تذكيره فإنك إذا قلت : ما قامت إلا هند ضعيف والجيد : ما قام إلا هند وذلك لأن الكلام محمول على معناه أي ما قام أحد إلا هند ، وكذا هنا ما وقع شيء إلا صيحة ، فلما كان هذا المراد اختاروا تذكير الفعل ليؤذن لهم بهذا المراد ، ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وإن « الصيحة » في حكم فاعل الفعل فأنث الفعل لذلك . ومثله قراءة من قرأفَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ[ الأحقاف : 25 ] بالتاء من ترى وعليه قول الشاعر وهو ذو الرمة :فما بقيت إلا الصدور الجراشع
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 68 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين