ذات خبر .
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ
أي ولا يعب بعضكم بعضا فإن المؤمنين كنفس واحدة أو لا تفعلوا ما تلمزون به فإن من فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه . واللمز الطعن باللسان . وقرأ يعقوب بالضم
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ
ولا يدع بعضكم بعضا بلقب السوء فإن النبز مختص بلقب السوء عرفا .
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم الإيمان واشتهارهم به ، والمراد به إما تهجين نسبة الكفر والفسق إلى المؤمنين خصوصا . إذ روي أن الآية نزلت في صفية بنت
شرح
الحدث خبرا عن الجثة بتقدير المضاف إما في الاسم نحو : عسى حال زيد أن يخرج أو في الخبر نحو : عسى زيد صاحب أن يخرج . وقال الكوفيون : إن مع الفعل في مثله في محل الرفع على أنه بدل مما قبله بدل الاشتمال لأن « عسى » بمعنى ترجي وتوقع فمعنى : عسى زيد أن يقوم ترجى زيد قيامه ، وإنما غلب فيه بدل الاشتمال لأن فيه إجمالا وتفصيلا كما تقرر ذلك في بحث البدل ، وفي إبهام الشيء ثم تفسيره وقع عظيم لذلك الشيء في النفس وإذا قلت : عسى أن يخرج زيد يكون « أن يخرج » فاعل « عسى » و « زيد » فاعل « يخرج » فاكتفى باسمه عن خبره لإغناء الاسم عنه . ومنه قوله تعالى :عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ[ الحجرات : 11 ] ووَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ[ البقرة : 216 ] وهي لغة أهل الحجاز ، وعسى زيد أن يخرج لغة تميم . وقراءة العامة على لغة أهل الحجاز ، وقراءة « عسوا » و « عسين » على لغة تميم . قوله : ( فإن المؤمنين كنفس واحدة ) علة لجعل الملموز نفس اللامز ، فإن المؤمنين إذا كانوا كنفس واحدة وكانت الأفراد المنتشرة بمنزلة أعضاء تلك النفس يكون ما يصيب واحدا منهم كأنه يصيب الجميع ، كما إذا اشتكى عضو واحد من شخص اعترى سائر الأعضاء الحمى والسهر فإذا عاب مؤمن مؤمنا فكأنما عاب نفسه كقوله تعالى :وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ[ النساء : 29 ] . قوله : ( فمن فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه ) باعتبار كونه سببا للمز غيره إياه فقوله تعالى :وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْمن قبيل الإسناد المجازي لأن الإسناد بمعنى التعلق مطلقا . وقرأ يعقوب و « لا تلمزوا » بضم الميم ، والنبز بفتح الباء اللقب مطلقا أي حسنا كان أو قبيحا ، وخص في العرف بالقبيح ، وبسكون الباء مصدر نبزه بمعنى لقبه ويقال : تنابزوا بالألقاب إذا لقب بعضهم بعضا ، والتلقيب أي يدعى الإنسان بغير ما سمى به مما يكره المدعوان يدعى به وهذا التخصيص عرفي .
قوله : ( أي بئس الذكر المرتفع ) أي ليس المراد بالاسم ما يقابل الفعل والحرف بل المراد به ما يذكر به الشخص ويسمى مطلقا ، والمخصوص بالذم الفسوق وهو التنابز المنهي عنه ، ولما كان لفظ الاسم مأخوذا من سما يسمو سموا بمعنى ارتفع ارتفاعا كان متضمنا لمعنى الارتقاء والاشتهاد ، فإن كان المراد تهجين نسبة الكفر والفسوق إلى المؤمنين وتلقيبهم