تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
عورات المسلمين تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب كالتلمس . وقرىء بالحاء من الحس الذي هو أثر الجس وغايته ولذلك قيل للحواس : الجواس وفي الحديث : « لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عوراتهم تتبع اللّه عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته » .
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
ولا يذكر بعضكم بعضا بالسوء في غيبته . وسئل منه عليه الصلاة والسّلام في الغيبة فقال : « أن تذكر أخاك بما يكرهه فإن كان فيه فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته » .
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه مع مبالغات الاستفهام المقرر أو إسناد الفعل إلى أحد للتعميم . وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة وتمثيل
شرح
ضربا . قوله : ( تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب ) فإن جس الخبر طلبه والتفحص عنه ، فإذا نقل إلى باب التفعل يحدث فيه معنى التكلف منضما إلى ما فيه من معنى الطلب يقال : جسست الأخبار أي تفصحت عنها ، وإذا قيل : تجسسها يريد معنى التكلف فإن تفعل من الجس وهو المس باليد ليعرف حال الشيء كالتلمس في أنه يحدث فيه معنى التكلف والطلب مرة بعد أخرى . والعورة سوأة الإنسان وكل ما يستحي منه من العثرات والعيوب ، والجمع عورات بالتسكين . قوله : ( ولذلك ) أي ولكون الحس غاية الجس يقال للحس : جس تسمية للشيء باسم مبدأه فيقال للحواس : جواس . قوله : ( تتبع اللّه عورته ) من باب المشاكلة أي جازاه على عثراته كقوله : كما تدين تدان ، فإن الدين الجزاء والمعنى تجازى كما تفعل . قوله : ( تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب ) المغتاب الأول اسم فاعل والثاني اسم مفعول ، والتقدير مختلف كلفظ المختار فاعلا ومفعولا . شبّه الاغتياب من حيث اشتماله على تناول عرض المغتاب يأكل لحم الأخ ميتا ، وعبّر بالهيئة المشبه بها عن الهيئة المشبهة ولا شك أن الهيئة المشبه بها أفحش جنس التناول وأقبحه ، فيكون التمثيل لتصوير الاغتياب بأقبح الصور مع مبالغات في تقبيحه إحداها الاستفهام المقرر أي الحامل للمخاطبين على أن يقروا بأن أحدا منا لا يحب ذلك الأكل الذي هو عبارة عن تناول عرض المغتاب ، فإن الاستفهام التقريري إنما يحسن إذا كان الحكم مسلما عند كل أحد فيكون مبالغة في تقبيح الأكل ، وكذا إسناد الفعل إلى أحد المتناول لكل أحد يحملهم على أن يقروا بأن أحدا من الآحاد لا يجب أكله . ففيه أيضا مبالغة في تقبيح تناول العرض وكذا تعدية فعل المحبة إلى ما هو في غاية الكراهة وكذا ما ذكر بعده . قوله تعالى :( مَيْتاً )منصوب على أنه حال من المفعول وهو اللحم واللحم المنفصل عن الحي يوصف بأنه ميت لقوله عليه الصلاة والسّلام : « ما أبين من حي فهو ميت » . ويحتمل أن يكون حالا من الأخ على رأي من يجوّز انتصاب الحال من المضاف إليه وفي « ميتا » إشارة إلى دفع وهم وهو أن
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 654 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين