يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ
أي لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض إذ قد
شرح
أحدهما موقع الآخر . قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ )وجه اتصاله بما قبله أن هذه السورة الكريمة فيها إرشاد المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وهي إما مع اللّه تعالى أو مع رسوله أو مع غيرهما من أبناء جنسهم ، وهم على صنفين إما من أهل الإيمان والطاعة . ومن أهل الفسق والمعصية ، والمؤمن المطيع إما حاضر عندهم أو غائب عنهم .
فهذه خمسة أقسام : أحدها متعلق بجانب اللّه تعالى ، وثانيها بجانب رسوله ، وثالثها بجانب الفساق ، ورابعها بالمؤمن الحاضر ، وخامسها بالمؤمن الغائب . فذكر اللّه تعالى في هذه السورة خمس مراتب بقوله :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواوأرشدهم في كل مرة إلى مكرمة هي قسم من الأقسام الخمسة فقال أولا :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِوذكر الرسول لبيان أن طاعته طاعة اللّه تعالى لأنها لا تعلم إلا بقول الرسول . وقال ثانيا :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّلبيان احترامه عليه الصلاة والسّلام . وقال ثالثا :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍلبيان وجوب الاحتراز عن الاعتماد على قول الفاسق بناء على أنهم يريدون إلقاء الفتنة بينكم . وقال رابعا :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍوقال :وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ[ الحجرات : 11 ] لبيان وجوب ترك إيذاء المؤمنين في حضورهم بالتحقير والتنقيص . وقال خامسا :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ[ الحجرات : 12 ] وقال :وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً[ الحجرات : 12 ] لبيان وجوب الاحتراز عن إهانة جانب المؤمن في حال غيبته بذكر ما لو ذكر في حضوره لتأذى به ، وهو ترتيب حسن حيث قدم الأهم على ما هو دونه ، فذكر جانب اللّه تعالى ثم جانب رسوله ثم ذكر ما يقضي إلى افتتان طوائف المسلمين بسبب الإصغاء إلى كلام الفاسق والاعتماد عليه . وأما المؤمن الحاضر أو الغائب فإنه لا يؤذي المؤمن إلى حد يفضي إلى حد التقاتل وهيجان الفتنة . وذكر في هذه الآية أمورا ثلاثة مرتبة بعضها دون بعض وهي : السخرية واللمز والنبز ، فالسخرية أن يحقر الإنسان أخاه ويستخفه ويسقطه عن درجته ويعده ممن لا يلتفت إليه ، واللمز أن يذكره في غيبته بما فيه من العيب ، وهذا دون الأول لأن الساخر لا يلتفت إلى المسخور منه ولا يعده شيئا ولا يرضى أن يجريه على لسانه فضلا عن أن ينسب إليه شيئا من المعايب بل ينزله منزلة المسخرة الساقطة عن درجة الاعتبار بالكلية بخلاف اللامز فإنه يلتفت إلى من يلمزه ويجعل فيه شيئا فيعيبه به .
والنبز أن يدعو إنسان أحدا بالقلب السوء ، وهو دون الثاني لأن النبز مجرد التسمية لا يقتضي وجود معناه اللغوي في المسمى كالأسماء الحسنة مثل سعيد ومحمود وألقاب المادحة مثل