هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
يدل على أن ذلك كل عام الحديبية والهدى ما يهدي إلى مكة . وقرىء « الهدى » وهو فعيل
شرح
الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْأي بأن حملهم على الفرار منكم مع كثرة عددهم وكونهم في بلادهم بصدد الذب عن أهليهم وأولادهم ، فالفرار من مثلهم في غاية البعد كما أن ترك المسلمين إياهم بعد ما ظفروا عليهم بعيدوَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْبأن حملكم على الرجوع عنهم وتركهم مع أن العادة المستمرة فيمن ظفر بعدوه أن لا يتركه بل يستأصله ، وقد أظفركم اللّه عليهم حيث هزمتم جيش الكفار وأدخلتموهم بيوتهم . كما روي أن أصحاب خالد بن الوليد هزموا أصحاب عكرمة وهم خمسمائة نفر وأدخلوهم حيطان مكة ثم رجعوا سالمين . وعن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه : أن اللّه تعالى أظفر المسلمين عليهم بالحجارة ثم أدخلهم البيوت ، فلما كان الكف على الوجه المذكور في غاية النعمة قال تعالى :هُوَ الَّذِي كَفَّالخ على طريق الحصر استشهادا به على ما تقدم من قوله سبحانه وتعالى :وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَووجه الاستشهاد ظاهر . ثم إنه تعالى أشار إلى أن كف كل فريق عن صاحبه لم يقع من حيث إنهم اصطلحوا وارتفع ما بينهم من الاختلاف والعداوة بل الاختلاف باق لبقاء سببه وهو أنهم كفروا باللّهوَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِأن تطوفوا به وصدواالْهَدْيَ مَعْكُوفاًأي محبوسا عنأَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُوهو الموضع الذي ينحر فيه وهو الحرم فهم مع هذه الأفعال القبيحة كانوا يستحقون أن يقاتلوا ويقتلوا إلا أنه تعالى كف أيدي كل فريق عن صاحبه محافظة على ما في مكة من المسلمين المستضعفين ليخرجوا منها وتدخلوا بها على وجه لا يكون فيه إيذاء من فيها من المؤمنين والمؤمنات ، فقال لهم :الَّذِينَ كَفَرُواالآية والجمهور على نصب قوله تعالى : و« الْهَدْيَ »عطفا على الضمير المنصوب في قوله : و « صدوكم » و « معكوفا » حال من « الهدي » أي صدوكم عن المسجد الحرام أن تطوفوا به وصدوا الهدي محبوسا ممنوعا عن أن يبلغ محله حذفت كلمة « عن » وأوصل العكف أو الصد إلى البلوغ توسعا ، وذلك الجار المقدر يجوز أن يتعلق بصدوكم وأن يتعلق بمعكوفا . ويحتمل أن يكون قوله : « أن يبلغ محله » مفعولا له علة للصد أي صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله . وقرىء بالجر عطفا على المسجد الحرام ولا بد حينئذ من تقدير الجار أي وعن « الهدي » بالرفع أيضا على أنه مفعول لما لم يسم فاعله بفعل مقدر أي صد الهدى . وقرىء و « الهدي » بكسر الدال وتشديد الياء واحده هدية مثل تمرة وتمر وهو ما يهدى إلى الحرم من الغنم ليذبح فيه . يقال : عكفه عن كذا أي حبسه عنه ومنه العاكف في المسجد لأنه حبس نفسه فيه ويستعمل لازما ومتعديا فيقال : عكفه عكفا فعكف عكوفا .