لا أسألكم أجرا قط ولكن أسألكم المودة ، و
« فِي الْقُرْبى »
حال منها أي إلا المودة ثابتة في ذوي القربى متمكنة في أهلها ، أو في حق القرابة ومن أجلها كما جاء في الحديث :
شرح
عن أكثر الأنبياء تصريحهم بنفي طلب الأجر فقال في قصة نوح عليه الصلاة والسّلام :وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ[ الشعراء : 109 ، 127 ، 145 ، 164 ، 180 ] الخ وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسّلام ورسولنا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الأنبياء وسيد المرسلين فكيف يليق بشأنه أن يطلب الأجر على تبليغ الوحي والرسالة ؟ وثانيها أنه عليه الصلاة والسّلام أيضا صرح بنفي طلب الأجر فقال :قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ[ ص : 86 ] وقال :قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ[ سبأ : 47 ] وثالثها أن التبليغ كان واجبا عليه لقوله تعالى :بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ[ المائدة : 67 ] وطلب الأجر على طلب الواجب لا يليق بأقل الناس قدرا فضلا عن سيد الكائنات . ورابعها متاع الدنيا أقل الأشياء وأخسها بالنسبة إلى الوحي الإلهي وعلم النبوة فكيف يصح في العقل أن يطلب أخس الأشياء بمقابلة أشرف الأشياء ؟ وخامسها أن طلب الأجر يوهم التهمة وذلك ينافي القطع بصحة النبوة . فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز منه عليه الصلاة والسّلام أن يطلب الأجر على التبليغ البتة فكيف يصح أن يصدر منه ما يجري مجرى طلب الأجر وهو المودة في القربى ؟ أجيب عنه بأنه من قبيل قول من قال :ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائبلأن حاصله أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس بأجر لأن الأجر ما يجب بمقابلة العمل ومودة أقربائه عليه الصلاة والسّلام واجبة على قريش . وقد روي عن الشعبي أنه قال : أكثر الناس على أن المراد بالقربى في هذه الآية علي وابناه وصاحبته ، فكتبنا إلى ابن عباس رضي اللّه عنه نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس إلينا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان وسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده وكان له فيهم قرابة ، وأن فرض أنه عليه الصلاة والسّلام لم يبعث إليهم نبيا ولم يبلغ إليهم وحي اللّه تعالى لأن أقرباءه عليه الصلاة والسّلام ذوو قرابتهم فكانت صلتهم والامتناع من إيذائهم واجبة بحكم المروءة الجبلية .
فمودتهم في القربى لا تكون أجر التبليغ لوجوبها عليهم مع قطع النظر عن التبليغ فلا يكون عليه الصلاة والسّلام طالبا للأجر على التبليغ ، إلا أنه عليه الصلاة والسّلام سماها أجرا واستثناها منه تشبيها لها به . وهذا القدر كاف في صحة الاتصال ولأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى :وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ[ التوبة : 71 ] وقال عليه الصلاة والسّلام : « المؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا » والآيات والأخبار في هذا الباب كثيرة . وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجبا فحصولها في حق أشراف