تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
والكرامة حيث تتعادى الكفرة وقرناؤهم
وَلَكُمْ فِيها
في الآخرة
ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ
من اللذائذ
وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ
( 31 ) ما تتمنون من الدعاء ، بمعنى الطلب وهو أعم من الأول .
نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ
( 32 ) حال من
« ما تَدَّعُونَ »
شرح
القيامة فإن المؤمن ينظر إلى حافظيه قائمين على رأسه يقولان له : لا تخف اليوم ولا تحزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد وأنك سترى اليوم أمورا لم تر مثلها فلا تهولنك فإنما يراد بها غيرك . قوله : ( وهو أعم من الأول ) لأن كل مطلوب لا يلزم أن يكون بحيث تنزع إليه الشهوة الطبيعية لجواز كونه من الفضائل الروحانية والكمالات النفسانية . قوله : ( حال من ما تدعون ) أي من الموصول أو من الضمير المحذوف أي ما تدعونه . والمراد بالنزل الرزق المعد للنازل وهو الضيف كأنه قيل : ولكم فيها الذي توعدونه حال كونه كالنزل للضيف وإكرامهم فيها بما لا يخطر ببالهم فضلا عن أن يشتهوه أو يتمنوه . والعامل فيها متعلق « لكم » أي ثبت لكم المدعي حال كونه نزلا وقوله : « من غفور رحيم » متعلق بمحذوف هو صفة « لنزلا » . واعلم أنه تعالى لما ذكر أولا وعيد من أعرض عن القرآن وتدبر معناه وذكر بعده فضيلة من أقر بالعبودية واستقام قلبا وقالبا ، بيّن أن هذه رتبة استكمال ذات النفس وجوهرها وأنه من اشتغل بتكميل الناقصين بعد تكميل جوهر نفسه فإنه أعلى شأنا وأحسن حالا بالنسبة إلى من اكتفى بتكميل نفسه وأعرض عن الالتفات إلى حال غيره فقال :وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِوهذا صريح في أن الدعوة إلى اللّه أحسن من كل ما سواه وكل من دعا إلى اللّه بطريق من الطرق فهو داخل في هذه الآية . وللدعوة إلى اللّه مراتب : الأولى دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام فإنهم يدعون إلى اللّه تعالى بالمعجزات وبالحجج والبراهين وبالسيف . والمرتبة الثانية دعوة العلماء فإنهم يدعون إليه تعالى بالحجج والبراهين فقط . والعلماء ثلاثة أقسام : عالم باللّه غير عالم بأمر اللّه ، وعالم بأمر اللّه غير عالم باللّه ، وعالم باللّه وعالم بأمر اللّه . أما الأول فهو عبد استولت المعرفة الإلهية على قلبه فصار مستغرقا في مشاهدته نور الجمال وصفات الكبرياء فلا يتفرغ لتعلم علم الأحكام إلا قدر ما لا بد منه ، والثاني وهو الذي يكون عالما بأمر اللّه وغير عالم باللّه هم الذين عرفوا الحلال والحرام ودقائق الأحكام ولكنهم لا يعرفون أسرار جلال اللّه تعالى وجماله ، وأما العالم باللّه وبأحكامه فهم الجامعون لفضائل القسمين الأولين وهم تارة مع اللّه تعالى بالحب والإرادة وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة ، فإذا رجعوا إلى الخلق صاروا معهم كواحد منهم كأنهم لا يعرفون اللّه وإذا خلوا بربهم صاروا مشتغلين بذكره كأنهم لا يعرفون الخلق ، وهذا سبيل المرسلين والصديقين . والمرتبة الثالثة للدعوة الدعوة بالسيف وهي للملوك فإنهم يجاهدون الكفار حتى يدخلوا في
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 385 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين