فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
( 23 ) إذ صار ما منحوا للاستسعاد به في الدارين سببا لشقاء المنزلين .
شرح
نقول ؟ فقال آخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا . وقال الثالث : إن كان يسمع إن جهرنا يسمع إذا أخفينا . فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه تعالى :وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَالآية قيل : الثقفي عبد ياليل والقرشيان ختناه ربيعة وصفوان بن أمية .
قوله : ( إذ صار ما منحوا ) فإن القوة العاقلة نعمة أنعم اللّه تعالى بها على عباده ليتوسلوا بها إلى تحصيل العقائد الحقية التي هي سبب سعادة الدارين ومن توسل بها إلى شقاء الدارين فقد خسر خسرانا مبينا . وهذه الآية نص صريح في أن من ظن أنه تعالى يخرج عن علمه شيء من المعلومات فإنه الهالك الخاسر وأن ظنه ذلك يرد به . ثم قال :فَإِنْ يَصْبِرُواأي إن أمسكوا عن الاستغاثة والجزع مما هم فيه انتظارا للفرج زاعمين أن الصبر مفتاح الفرج لم يجدوا ذلك وتكون النار مثوى لهم ، من الثواء وهو الإقامة ، وذكر في مقابلة صبرهم استعتابهم فقال :وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوابفتح ياء الغيبة وكسر التاء الثانية على بناء الفاعل أي وإن أظهروا الجزع واستغاثوا في إزالة ما هم فيه من العذاب لم يعتبوا أي لم يجابوا إلى ذلك ، فكان جزعهم وصبرهم سواء في أن شيئا منها لا يؤدي إلى الخلاص يقال : عتب عليه أي وجل عليه وغضب وأعتبني فلان أي عاد إلى مودتي راجعا عن الإساءة ، والاستعاب طلب العتبى وهو اسم من الإعتاب بمعنى إزالة العتب كالعطاء والاستعطاء . فهو تعالى عاتب مغضب على المسئ بتعذيبه والمسئ مستعتب يطلب منه تعالى أن يعتبه أي يزيل عنه ما هو فيه من العقوبة والعذاب إلا أنه لا يكون معتبا . وقرىء « وأن يستعتبوا » على بناء المفعولفَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَعلى بناء اسم الفاعل من أعتب بمعنى رضي وأزال عنه أي إن استعتب أحد منهم بأن يطلب منهم أن يعتب ربه ويزيل ما يعتب ربه عليه لم يقدروا عليه لأنهم فارقوا دار التكليف والطاعة وآتوا دار الجزاء فأين يقدرون على إعتاب ربهم ؟ ثم إنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على كفر أولئك الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر فقال :وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَأي جعلنا القرناء وقدرناها قيضا لهم أي بمنزلة القيض الذي يستولي على اللب كما يستولي القيض على البيض ، وقيض البيضة قشرها ، فإنهم لما صمموا على الكفر لم يبق لهم من الأصدقاء إلا الشياطين وهذا معنى قول الجوهري : قيض اللّه فلانا لفلان أي جاءه به وأباحه له أي قدره له . وأخدان جمع خدن وهو الصديق . وقيل : قيضنا ليس من القيض بمعنى القشر بل هو من القيض بمعنى البدل والعوض ، كما يقال : هذان ثوبان قيضان إذا كان كل واحد منهما مكافئا للآخر في القيمة بحيث يصح أن يباع أحدهما بالآخر مقايضة أي مبادلة وهي بيع السلعة بالسلعة سمي