تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ
أي كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم فما استترتم عنها . وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق أن لا يمر عليه حال إلا وعليه رقيب .
وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ
( 22 ) فلذلك اجترأتم على ما فعلتم
وَذلِكُمْ
إشارة إلى ظنهم هذا وهو مبتدأ . وقوله :
ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ
خبران له . ويجوز أن يكون ظنكم بدلا وأرداكم خبرا .
شرح
من علقة ثم من مضغة وصيركم حيوانا ناطقاأَوَّلَ مَرَّةٍأي في الدنيا ثم على بعثكم وإرجاعكم إلى موقف حسابه وجزائه كيف يستبعد منه إنطاق الجوارح والأعضاء ؟ قيل : كيفية نطقها وشهادتها عليهم أن يخلق اللّه فيها الحياة والقدرة على النطق فتشهد كما يشهد الرجل منا بما يعرفه . وهذا القول لا يتأتى على مذهب المعتزلة لأن البنية شرط عندهم لحصول الحياة والعقل والقدرة ، واللسان مع كونه لسانا يمتنع أن يكون محلا للعلم والعقل . فإن قلنا : إنه تعالى غير تلك البنية والصورة خرج عن كونه لسانا وجلدا . وظاهر القرآن يدل على إضافة تلك الشهادة إلى السمع والبصر والجلود . وإن قلنا : إنه تعالى ما غير بنية هذه الأعضاء فحينئذ يمتنع كونها عاقلة ناطقة فاهمة وإنما يتأتى على مذهب أصحابنا لأن البنية ليست شرطا للحياة ولا للعلم ولا للقدرة عندنا فهو تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء . وقيل : في كيفية نطقها وشهادتها أن تظهر فيها أحوال تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان وتلك الأمارات تسمى شهادات كما يقال : شهد العالم بتغيرات أحواله على حدوثه . قوله تعالى :( أَنْ يَشْهَدَ )في موضع النصب بإسقاط الخافض من أن يشهدا والجر على إرادته لأن استتر لا يتعدى بنفسه . وقيل : في موضع الجر على تقدير المضاف أي مخافة أن يشهد أي كنتم تكتفون عند ارتكاب الفواحش بالتستر والاستخفاء من الناس ولم تعلموا أنه تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة من خفيات الأمور وجلياتها حتى تخافوا من أن يفضحكم بأن ينطق أعضاءكم ويشهدها عليكموَلكِنْ ظَنَنْتُمْأنه تعالىلا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَأي لا يعلم ما فعلتموه خفية مستترين بالحيطان والحجب وظلمة الليل ، فلذلك اجترأتم على ارتكاب الفواحش خفية وما علمتم أنه تعالى مطلع عليها ومفضحكم بها بأن ينطق جوارحكم ويشهدها عليكم . فإن طائفة من الكفار بلغ جهلهم إلى أن ظنوا أنه تعالى يعلم بعض الأمور ويخفى عليه بعضها . عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : إن الكفار كانوا يقولون : إن اللّه لا يعلم ما في أنفسنا ولكنه يعلم ما نظهره . وعن ابن مسعود قال : كنت مستترا بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر : ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم فقال أحدهم : أترون أن اللّه يسمع ما