صاعقة من السماء فأهلكتهم ، وإضافتها إلى العذاب ووصفه بالهون للمبالغة .
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 17 ) من اختيار الضلالة
وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ
( 18 ) ومن تلك الصاعقة
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ
وقرأ نافع « نحشر » بالنون مفتوحة وضم
شرح
حصولها بدون الاهتداء مع أنه تعالى أثبت الهداية بدون الاهتداء حيث قال :وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدىأي فاختاروا الدخول في الضلالة على الدخول في الرشد ؟ أجاب عنه بأن الهداية فيه مستعارة للدلالة المجردة تشبيها لها بالدلالة الموصلة من حيث إنها مكنتهم من الاهتداء بحيث لم يبق لهم بعدها عذر ولا علة فصارت بذلك كأنها موصلة فسميت هداية لذلك . واستدل المعتزلة بهذه الآية على أن الكفر والإيمان يحصلان من العبد وذلك لأنها تدل على أنه تعالى ينصب الدلائل ويزيح العلل والأعذار إلا أن الإيمان يحصل من العبد لأن قوله :وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْيدل على أنهم من عند أنفسهم أتوا بذلك العمى . وهذا الاستدلال باطل لأنه يستلزم أن يترك كثير من دلائل العقل والنقل منها قوله تعالى :اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ[ الزمر : 62 ؛ الرعد : 16 ] وقوله :هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ[ فاطر : 3 ] ولا بعد في أن يسند الفعل القبيح إلى العبد لكونه مسببا عن اختياره السئ واكتسابه القبيح . والتحقيق أن معنى استحباب العمى اختياره لأن المحبة ليست باختيارية اتفاقا والاختيار والإيثار اختياري ، والمؤثر مجموع أمرين : أحدهما من اللّه تعالى والآخر من العبد فظهر أن في لفظ الاستحباب ما يشعر بأن قدرة اللّه تعالى هي المؤثرة ولقدرة العبد مدخلا ما ، وأن الإيمان مقدور لقادرين فتأمل فيه فإنه دقيق عجيب .
قوله : ( وإضافتها إلى العذاب ) أي إضافة الصاعقة إلى العذاب الموصوف بالمصدر للمبالغة في كونه مهينا ليدل على شدة وقع الصاعقة وقوتها ، فإن إضافتها إليه من إضافة النوع إلى الجنس بتقدير « من » والمعنى : فأخذتهم من جنس العذاب المهين الذي بلغ في إفادة الهوان للعذاب إلى حيث صار كأنه عين الهوان ما كان شديد الوقع كأنه صاعقة مهلكة .
والهون مصدر بمعنى الهوان والذلة وصف به العذاب للمبالغة أي عذاب مهين كأنه عين الهوان ، فالمبالغة استفيدت من ثلاثة أوجه : الأول من استعارة لفظ الصاعقة للعذاب ، والثاني من إضافة الصاعقة إلى العذاب والثالث من وصف العذاب بالهون . ثم إنه تعالى لما بيّن كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه ببيان كيفية عقوبتهم في الآخرة ليحصل منه تمام الاعتبار في الزجر والتحذير فقال :وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ« فيوم » منصوب لمحذوف دل عليه ما بعده من قوله :فَهُمْ يُوزَعُونَتقديره يساق الناس يوم يحشر . وقال أبو البقاء : تقديره : يمنعون يوم يحشر . وقيل : إنه منصوب باذكر مقدرا أي اذكر يوم يحشر جميع الكفرة من الأولين والآخرين فهم يوزعون أي يحبس سوابقهم حتى يلحق بهم