تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
إثبات الطوع والكره لهما وهما مصدران وقعا موقع الحال .
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
( 11 ) منقادين بالذات والأظهر أن المرد تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها وتمثيلهما بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع كقوله :
كُنْ فَيَكُونُ
[ البقرة : 117 ] وآيات أخرى وما قيل : إنه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب إنما يتصور على الوجه الأول
شرح
من المؤاتاة لا من الإيتاء بمعنى الإعطاء لأن الأول متعد إلى مفعول واحد والثاني إلى مفعولين وحذف المفعول الواحد أسهل من حذف المفعولين . قوله : ( لا إثبات الطوع والكره لهما ) لأنهما من أوصاف العقلاء ذوي الإرادة والاختيار ، والسماء والأرض من قبيل الجمادات العديمة الإرادة والاختيار فلذلك لم يكن المراد إثبات حقيقة الطوع والكره لهما بل المراد إظهار تأثير قدرته فيهما واستحالة امتناعهما عن التأثر عنها كما يقول الجبار لمن هو تحت يده : لتفعلن هذا شئت أو أبيت ولتفعلنه طوعا أو كرها يريد به ذلك الإظهار والاستحالة وإن كان ذلك الشخص مما يصح اتصافه بحقيقة الطوع والكره ، إلا أن مراد الجبار ليس إثباتهما له وإنما مراده إظهار كمال قدرته وقوله : « وهما » أي طوعا أو كرها مصدران وقعا موقع الحال أي طائعتين أو مكرهتين . قوله : ( أي منقادين بالذات ) أي بالإرادة والاختيار . قوله : ( والأظهر ) جواب عما يقال : كيف خوطب الجمادات بقوله :ائْتِياوكيف أخبرن بقولهن :أَتَيْنامع أنهن لسن أهلا للخطاب والجواب ؟ وتقرير جوابه أنه من قبيل الاستعارة التمثيلية من غير أن يتحقق هنا خطاب ولا جواب . شبّه تأثير قدرته فيهما وتأثرهما عنها بالذات أي لا بالمشيئة والاختيار بأمر آمر نافذ الحكم يتوجه نحو المأمور المطيع له فيمتثل أمره ولا يرد قوله بل يتعلقاه بالقبول والامتثال فعبّر عن الحالة المشبهة بما يعبر به عن الحالة المشبه بها . قوله : ( وما قيل إنه تعالى خاطبهما الخ ) أي قيل : لا يبعد أن يخاطب اللّه تعالى إياهما ويأمرهما بالإتيان وأن يجيباه ويمتثلا أمره بأن يخلق اللّه فيهما حياة وعقلا ثم يوجه الأمر والتكليف إليهما ، ويدل عليه قوله :إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها[ الأحزاب : 72 ] فإنه يدل على كونها عاقلة عارفة باللّه وبتوجه تكليفه إليها وبعقوبة من قصر في رعاية مقتضى التكليف ، وذلك كما أنطق اللّه تعالى الجبال مع داود وأنطق الأيدي والأرجل بالشهادة بما فعل أصحابهما . قال المصنف . وهذا القول إنما يتصور أن لو كان المراد بالأمر بإتيانهما الأمر بإبراز ما أودع فيهما من الأوصاف والأوضاع والكيفيات والأمر بأن تأتي كل واحدة منهما صاحبتها إتيانا تقتضيه الحكمة من كون الأرض قرارا للسماء وكون السماء سقفا للأرض ليتحقق التأثير والتأثر المؤديان إلى انتظام أحوال أهل الأرض . وأما إن أريد بإتيانهما الإتيان إلى الوجود والحدوث ، وهو الوجه الثاني ، أو أريد بإتيان الأرض كونها مدحوة قرارا ومهادا لأهلها