ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
قصد نحوها من قولهم : استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره . والظاهر أن « ثم » لتفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في المدة لقوله :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[ النازعات : 30 ] ودحوها متقدم على خلق الجبال من
شرح
أَقْواتَهايكون السؤال سؤال استعطاء وهو طلب الخير فإن أهل الأرض كلهم طالبون للقوت محتاجون إليه . قوله : ( من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجها لا يلوي على غيره ) والاستواء بهذا المعنى هو ضد الاعوجاج ونحوه : استقام إليه ، ولما كان الاستواء إلى الشيء بهذا المعنى محالا على اللّه تعالى لاستلزامه الانتقال من مكان إلى مكان . قال صاحب الكشاف : والمعنى ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك ، فجعل الاستواء إلى خلق السماء مجازا عن ملزومه الذي هو استدعاء الحكمة خلقها من غير أن يعارضها صارف يصرفها عنه .
قوله : ( والظاهر أن ثم لتفاوت ما بين الخلقين ) أي بحسب الرتبة على سبيل الترقي من الأدنى إلى الأعلى لأن الكلام مع المعاندين المتمردين . والمعنى : أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وفعل كذا وكذا وأعظم من ذلك أنه استدعت الحكمة أن يخلق السماء وهي شيء حقير ظلماني كالدخانفَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاًالخ ومقصود المصنف من هذا القول دفع ما يتوهم من المنافاة بين قوله :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِوخلقها وبين قوله :أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها[ النازعات : 27 - 30 ] فإن الأول يشعر بأن السماء خلقت بعد الأرض وبه قال ابن عباس . والثاني يدل على أن خلق الأرض كان بعد خلق السماء وبه قال قتادة والسدي وهما متنافيان . وجوابه المشهور بين المفسرين أن يقال : إنه تعالى خلق الأرض أولا ثم خلق بعده السماء كما هو المفهوم من هذه الآية ، ثم بعد خلق السماء دحا الأرض وبسطها وبهذا الطريق يزول التناقض . والمصنف أشار إلى رد هذا الجواب بقوله : ودحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها وتقريره : أن دحو الأرض كيف يكون متأخرا عن خلق السماء والحال أن خلق السماء على ما يشعر به قوله :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِمتأخر عن إرساء الجبال على الأرض وتكثير خيرها وتقدير أقواتها ، ولا يخفى أن هذه الأحوال لا يمكن تحقها إلا بعد أن صارت الأرض مدحوة منبسطة . أما إرساء الجبال عليها فظاهر وأما تكثير خيرها فلأنه مفسر بخلق الأشجار والنبات والحيوان فيها وذلك لا يمكن إلا بعد صيرورتها منبسطة ، وكذا تقدير الأقوات فيها فإنها متفرعة على تمييز أقطارها وأطرافها . وإذا كان خلق السماء متأخرا عن هذه الأحوال المتأخرة عن الدحو استحال أن يكون الدحو متأخرا عن خلق السماء ضرورة كون الدحو متقدما على الأحوال المذكورة المتقدمة على خلق السماء كما