فوقها .
وَهِيَ دُخانٌ
أمر ظلماني . ولعله أراد به مادتها والأجزاء المتصغرة التي ركبت منها
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا
بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وإبراز ما أود عنكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة ، أو ائتيا في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة أو الإخبار . وإتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة وقد عرفت ما فيه ، أو ليأت كل منكما الأخرى من حدوث ما أريد توليده منكما .
شرح
يقتضيه قوله تعالى :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِفلما لم يجز كون الدحو متأخرا عن خلق السماء لم يصلح الجواب المذكور جوابا وبقي التناقض بحاله . فلذلك أعرض المصنف عنه وأجاب عن سؤال التناقض بوجه آخر . وهو أن يجعل قوله تعالى :وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاهاباقيا على ظاهره وتجعل كلمة « ثم » في هذه الآية للدلالة على تفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في الزمان حتى يلزم التناقض . قوله : ( أمر ظلماني ) إشارة إلى أن قوله :وَهِيَ دُخانٌمن قبيل التشبيه البليغ والمعنى أنه قصد وتوجه نحو السماء توجها يليق بذاته ، والحال أنها أمر مظلم عديم النور . شبّه الدخان في بادي النظر وحمله على التشبيه لتعذر أن يكون المراد حقيقة الدخان وهو ما ارتفع من لهب النار . قوله : ( ولعله أراد به مادتها ) أي ولعله أراد بتلك المادة البخار المتصاعد من الماء الذي انقلب إليه من أول ما خلق اللّه تعالى على ما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : أول ما خلق اللّه جوهرة طولها وعرضها مسيرة ألف سنة في مسيرة عشرة آلاف سنة فنظر إليها بالهيبة فذابت واضطربت من ذلك النظر ، ثم ثار منها دخان فارتفع واجتمع زبدا فقام فوق الماء . أما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق اللّه تعالى فيه اليبوسة وأحدث منه الأرض ، وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق اللّه منه السماوات فسمى اللّه تعالى ذلك البخار المتصاعد سماء . والحال أنه لم يكن على صورة السماء حال الاستواء إليه حيث قال :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌعلى طريق تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه ثم بيّن أنه جعل ذلك البخار المظلم سبع سماوات حيث قال :فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍهذا على أن يكون المراد بالأمر الظلماني المادة التي صورت بصورة السماء . ثم ذكر أنه يحتمل أن يكون المراد بذلك الأمر الظلماني الأجزاء التي لا تتجزأ فإنها في ابتداء خلقها كانت أشياء مظلمة عديمة النور ثم إذ ركبت وجعلت سماوات وكواكب وشمسا وقمرا حدثت فيها صفة الضوء فحينئذ كانت مشرقة مستنيرة ، ولما كانت أول حدوثها مظلمة صح تسميتها بالدخان تشبيها لها به من حيث إنها أجزاء متفرقة غير متواصلة عديمة النور كالدخان فإنه ليس له صورة تحفظ بتركيبه .
قوله : ( بما خلقت فيكما ) دفع لما يتوهم من أن قوله تعالى للأرض والسماء :ائْتِيايستلزم إرادة إيجاد الموجود بالنسبة إلى الأرض لأن الفاء في قوله :فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ