ويؤيده قراءة « آتيا » من المؤاتاة أي ليوافق كل واحدة أختها فيما ردت منكما .
طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
شئتما ذلك أو أبيتما ، والمراد إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده لا
شرح
لعطف مدخولها على قوله .اسْتَوىوقد مر أن الاستواء إلى السماء عبارة عن ملزومه وهو اقتضاء الحكمة خلقها من غير أن يعارضه ما يصرفه عن خلقه إياها فكان أمرهما بالإتيان عقيب الإخبار باستدعاء الحكمة لخلق السماء بمعنى إرادة وجودها وإرادة وجود الأرض بعد الاستواء إلى السماء المتأخر عن خلق الأرض في يومين إرادة لإيجاد الموجود . والمصنف دفع لزومه بوجوه محصول الأول أن قوله :فَقالَمعطوف على مقدر والتقديرثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِأي ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلقها فخلقهافَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِبعد خلق ذاتهماائْتِياعلى أن يكون مفعول « ائتيا » محذوفا والمعنى : إبراز ما أودع فيكما من الأوصاف كتأثير العلويات في السفليات وتأثر الأخرى عن الأولى وتبدل أوضاع الأولى وكيفيات الثانية وما يتفرع عليها من الكائنات المتنوعة . ومحصول الوجه الثاني أن المراد بخلقهما تقديرهما والحكم بوجودهما في أوقات معينة وبالأمر بإتيانهما إيجادهما طبق ما قدرهما ولا يلزم إيجاد الموجود بناء على أن الخلق السابق بمعنى التقدير فقوله تعالى :خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِمعناه أنه قضى بحدوثها في يومين وقضاء اللّه بأنه سيحدث كذا في مدة كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال ، فجاز أن يقضي اللّه تعالى بحدوث الأرض في يومين ثم يقول للسماء وللأرض ائتيا في الوجود والحدوث من غير أن يلزم منه إيجاد الموجود . ولما ورد أن يقال : لما كان قوله تعالى :خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِبمعنى أنه قضى وقدر وجودها في يومين كان قوله :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِأي إلى خلقها بمعنى ثم دعاه داعي الحكمة إلى تقدير السماء بعد تقدير الأرض وتقدير كل واحد من الأشياء صفة أزلية لا يترتب بعضها على بعض فلا وجه لكلمة« ثُمَّ »في قوله :ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِأجاب عنه بوجهين : الأول أن « ثم » لترتيب رتبة التقديرين لا لترتيب زمانهما ، والثاني أنها لترتيب الإخبار على الأخبار . ومحصول وجه الثالث ظاهر وقد عرفت ما فيه من أن دحوها أي دحو الأرض متقدم على خلق الرواسي من فوقها المتقدم على خلق السماء فكيف يقترن خلقها مع الدحو ؟ وفيه أيضا أنه يستلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز إلا أن يقال : الإتيان المسند إلى ضمير الأرض غير ما أسند إلى ضمير السماء فلا جمع بينهما في لفظ واحد حكما . ومحصول الرابع أن المراد بخلقهما إيجادهما وبإتيانهما موافقة كل واحدة منهما صاحبتها في كونها سببا مؤديا إلى حدوث ما أريد توليده منهما . قوله : ( من المؤاتاة ) يعني أن وزن آتيا وآتينا بالمد فيهما فاعلا وفاعلنا مثل : قاتلا وقاتلنا وسارعا وسارعنا ، وأنهما ليسا من الإيتاء بمعنى الإعطاء على أن يكون وزنهما افعلا وافعلنا مثل : أكرما وأكرمنا ، وإنما جعله