أخلص له ديني
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
أطفالا والتوحيد لإرادة الجنس أو على تأويل كل واحد منكم .
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
اللام فيه متعلقة بمحذوف تقديره : ثم يبقيكم لتبلغوا وكذا في قوله :
ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً
ويجوز عطفه على
« لِتَبْلُغُوا »
. قرأ نافع وأبو عمرو وحفص وهشام
شرح
عن عبادة غيره تعالى وقت مجيئها ، فكانت أدلة الشرع منبهة على الأدلة العقلية من حيث كونها متضمنة لأدلة العقل كقوله تعالى :أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ[ الصافات : 95 ، 96 ] فكأنه قيل : نهيت أن أعبد ما تعبدونه وقت مجيء البينات المتناولة لأدلة العقل والسمع وكونه منهيا عنها قبل ورود الشرع بمجرد أدلة العقل لا ينافي تقوية النهي بمجيء الأدلة المتناصرة المتعاضدة ، فإن مجيئها أقوى وأبلغ في إبطال طريق أهل الشرك .
وهذا السؤال والجواب لا يرد على مذهب أهل السنة إذ لا نهي ولا وجوب عندهم إلا بعد ورود الشرع إلا أن المصنف أجاب عنه بطريق التسليم . ثم إنه لما بيّن أنه نهى عن عبادة غير اللّه تعالى بيّن أنه أمر بعبادة اللّه تعالى فقال :وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَأي أنقاد أو أخلص له ديني الأول على أن يكون قوله :أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَمن قولهم : أسلم أمره إلى اللّه أي سلم وذلك إنما يكون بالرضى والانقياد لحكمه ، والثاني على أن يكون من قولهم : أسلمت له الشيء إذا جعلته سالما خالصا له . وعلى التقديرين يكون مفعول « اسلم » محذوفا أي أسلم أمري له أو أن أسلم وأخلص توحيدي وطاعتي له . ثم إنه تعالى لما استدل على ثبوت الإله القادر العليم بأربعة من دلائل الآفاق وهي : الليل والنهار والأرض والسماء وبثلاثة من دلائل الأنفس وهي : نفس التصوير وحسن الصورة ورزق الطيبات ، ذكر من دلائل الأنفس كيفية تكوين البدن من ابتداء كونه نطفة وجنينا إلى آخر الشيخوخة والموت ، فقال :هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍالآية . قيل : المخلوق من التراب هو آدم عليه الصلاة والسّلام وحكم بكون المخاطبين من أولاده مخلوقين من التراب أيضا لكونهم مخلوقين منه بواسطة خلق أبيهم منه . وقيل : لا حاجة في صحة الحكم بكون كل فرد من أفراد الإنسان متكونا من التراب إلى ذلك بناء على أن كل إنسان فهو مخلوق من المني والمني مخلوق من الدم ، والدم إنما يتكون من الأغذية والأغذية إما حيوانية أو نباتية ، والأغذية الحيوانية لا بد أن تنتهي إلى النباتية وإلا لزم أن تتسلسل الحيوانات إلى غير النهاية ، والنبات إنما يتولد من الماء والتراب فثبت بذلك أن كل إنسان متكون من التراب الذي يصير نباتا ثم نطفة ثم علقة إلى آخر الأطوار التي ينفصل الولد بعد تمامها من بطن أمه . إلا أنه تعالى ترك ذكر تلك الأطوار ههنا لأجل أنه تعالى ذكرها في سائر الآيات . واعلم أنه تعالى رتب عمر الإنسان على ثلاث مراتب : أولاها مرتبة الطفولية ، وثانيتها مرتبة بلوغه الأشد ، وثالثتها مرتبة الشيخوخة ، وهذا