تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
وإسناد الإبصار إليه مجاز فيه مبالغة ولذلك عدل به عن التعليل إلى الحال .
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
لا يوازيه فضل وللإشعار به لم يقل لمفضل .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
( 61 ) لجهلهم بالمنعم وإغفالهم مواقع النعم وتكرير الناس لتخصيص الكفران بهم .
ذلِكُمُ
المخصوص بالأفعال المقتضية للألوهية والربوبية .
شرح
أن إسناد الإبصار إليه مجاز مبني على الملابسة من جهة الظرفية أو السببية . والوجه في دلالة هذا الإسناد المجازي على المبالغة في اتصاف الفاعل الحقيقي للإبصار به أنه لو قيل : وجعل لكم النهار لتبصروا فيه أو به لم يفهم إلا كون النهار ظرفا للإبصار أو سببا له ، ولما جعل نفس النهار مبصرا فهم أن النهار لكمال سببية الإبصار وكثرة القوة الباصرة فيه جعل كأنه هو المبصر وإن فعل الفاعل الحقيقي إذا أسند إلى وقته مثلا مثل أن يقال : صام نهاره أو نهاره صائم يفهم أنه لكثرة صومه في النهار وقوة ملازمته للصوم فيه صح أن يوصف نهاره بكونه صائما وكذا الإبصار . قوله : ( ولذلك عدل به عن التعليل إلى الحال ) جواب عما يقال : حق المقابلة يقتضي أن يقال : والنهار لتبصروا على وفق قوله : « لتسكنوا » ولم يقل هكذا بل قرن الليل بالمفعول له والنهار بالحال . وتقرير الجواب أنه عدل عن مقتضى الظاهر للدلالة على المبالغة المفهومة من الإسناد المجازي . قوله : ( لا يوازيه فضل ) يعني أن تنكير الفضل لتعظيمه ولو قيل : لمفضل لدل تنكيره على تعظيم ذات المفضل ولا يعلم صريحا أن عظمته أهي لعظم أفضاله أم لعظم غيره . قوله : ( لجهلهم بالمنعم وإغفالهم مواقع النعم ) أي رفعة شأنها وعلو قدرها . في الصحاح : الوقع بالتسكين المكان المرتفع علل الشكر بأمرين : أحدهما الجهل بالمنعم فإن من اعتقد أن هذه النعم ليست من اللّه تعالى كيف يشكره ؟ كالدهرية مثلا فإنهم يزعمون أن الأفلاك واجبة الوجود لذواتها وواجبة الدوران المستدعى لاختلاف أوضاعها وأوضاع ما فيها من الكواكب وأن النعم الحاصلة في العالم السفلي مستندة إليها ، فمع هذا الاعتقاد كيف يشكرون المنعم الحقيقي ؟ وثانيهما أن يعتقد الرجل أن كل العالم من اللّه تعالى حاصل بتخليقه وتكوينه إلا أنه لاستغراقه في نعم اللّه تعالى عليه ودورها عليه في كل لحظة وآن وعدم ذوقه ألم فقدانها قد ينسى قدرها ويغفل عن كونها نعمة جليلة فيترك شكرها لذلك . ثم إذا ابتلي بفقدان شيء منها فحينئذ يعرف قدرها مثل أن يتفق لبعض الناس والعياذ باللّه أن يحبسه بعض الظلمة في بئر عميق مظلم مدة مديدة فإنه حينئذ يعرف قدر نعمة الهواء الصافي وقدر نعمة الضوء . قوله : ( وتكرير الناس لتخصيص الكفران بهم ) يعني أن المقام مقام الإضمار لتقدم ذكر « الناس » إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير ليفهم اختصاص كفران النعمة بهم وأنهم هم الذين يكفرون فضل اللّه تعالى ولا يشكرونه ، فإن وضع المظهر المعرف باللام موضع المضمر يفيد اختصاص الحكم به لأنه من باباللَّهُ
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 342 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين