تذكر إما قليلا يتذكرون ، والضمير للناس أو الكفار . وقرأ الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب أو الالتفات أو أمر الرسول بالمخاطبة .
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها
في مجيئها لوضوح الدلالة على جوازها وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
( 59 ) لا يصدقون بها لقصور نظرهم على ظاهر ما يحسون به .
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي
اعبدوني
أَسْتَجِبْ لَكُمْ
أثب لكم لقوله :
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ
( 60 ) صاغرين ، وإن فسر الدعا بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلا منزلته للمبالغة ، أو المراد بالعبادة الدعاء فإنه من أبوابها . وقرأ ابن كثير وأبو بكر « سيدخلون » بضم الياء وفتح الخاء .
شرح
المقصود صريحا والآخر تمثيلا ، فإن الشفع الثاني حينئذ وإن اتحد بالشفع الأول بحسب الذات وبحسب ما قصد بهما من الوصفين إلا أن أحدهما يدل على الوصف المقصود صريحا والآخر تمثيلا . قوله : ( تذكر إما قليلا يتذكرون ) يعني أن « قليلا » صفة لمصدر محذوف ليتذكرون و « ما » لتأكيد معنى القلة ، والمعنى : أنهم وإن كانوا يعلمون أن التبصر خير من الغفلة ولا يستويان ، وكذا العمل الصالح خير من العمل الفاسد إلا أنهم يتذكرونه تذكرا قليلا والمراد لا يتذكرونه . قوله : ( والضمير ) أي ضمير « يتذكرون » إن قرىء بياء الغيبة للناس المدلول عليه بقوله :وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَفإن أكثرهم ينكرون البعث والحساب فلا يتذكرون عدم استواء المحسن والمسئ ، أو للكفار المدلول عليه بقوله :إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِووجه القراءة بتاء الخطاب إما تغليب المخاطبين فيكون التوبيخ أشمل حيث يتناول غير الذين أخبر عنهم بقوله :إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَوإما الالتفات إلى المجادلين المذكورين بعد الإخبار عنهم ، وإما كونه مقولا لقول مضمر أي قل لهم قليلا ما تتذكرون .
قيل : التغليب وإن كان أعم وأشمل لكنه غير مناسب للمقام بخلاف الالتفات فإنه أتم فائدة وأنسب للمقام لأن العدول من الغيبة إلى الخطاب في مقام التوبيخ يدل على العنف الشديد والإنكار البليغ . قوله : ( لوضوح الدلالة على جوازها ) علة لانتفاء الريب في مجيئها فإن ما قام الدليل الواضح على إمكانه وجواز وقوعه إذا اجتمع الرسل المتصفون بالمعجزات على الإخبار بوقوعه يكون وقوعه مقطوعا به بلا ريب ومن جملة دليل جوازها ما ذكر آنفا بقوله :لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِوما ذكر بعده بقوله :وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُوهذا يدل على أن الحكمة تقتضي وقوعها فهو تعالى لما استدل على جواز وقوعها وبيّن قضاء الحكمة بوقوعها ذكر بعده أنها آتية لا محالة ، ثم أمرنا بعبادته ووعدنا الإثابة في مقابلتها فقال :ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْفإنه لما كانت الحكمة في وقوعها مجازاة كل واحد من المحسن