وَالْبَصِيرُ
الغافل والمستبصر .
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ
والمحسن والمسئ فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت وهي فيما بعد البعث وزيادة لا في المسئ ، لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل والكرامة . والعاطف الثاني عطف الموصول بما عطف عليه على الأعمى والبصير لتغاير الوصفين في المقصود أو الدلالة بالصراحة والتمثيل .
قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ
( 58 ) أي
شرح
قوله : ( الغافل والمستبصر ) يعني أن المراد بالأعمى من عمي قلبه عن رؤية الآيات والاستدلال بها ، وبالبصير من أبصرها واستدل بها . وهو احتجاج آخر على حقية البعث والجزاء ، وأشار إليه المصنف بقوله : « فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت » . قوله :
( وزيادة لا في المسئ ) أراد بزيادتها مجرد ذكرها لأذكرها خالية عن المعنى ، ويشهد عليه قوله : « لأن المقصود » الخ أعلم أن الأخفش ذهب إلى أن كلمة « لا » الواقعة بين فاعلي فعل الاستواء زائدة أينما وقعت واستدل عليه بأن فعل الاستواء مثبتا كان أو منفيا لا يكون إلا بين اثنين أو أكثر ، ومن ثم لزم العطف على فاعله وإسناده إلى ضمير التثنية أو الجمع ، ولا يصح إسناده إلى كل واحد من المتقابلين بانفراده لاستحالة قيامه وحده ، فلو قيل : لا يستوي زيد ولا عمرو وجب أن تجعل « لا » زائدة . وذهب الجمهور إلى أنها ليست بزائدة بل يؤتى بها لتفيد نفي مساواة كل واحد من المتقابلين للآخر فيما يخصه من المعاني والأوصاف .
والمعنى في الآية نفي مساواة المحسن للمسيء فيما يستحقه من الحقارة والهوان ، ونفي مساواة المسئ للمحسن فيما له من الفضل والكرامة كأنه قيل : وما يستوي المؤمن الذي عمل صالحا والمسئ ولا المسئ والمؤمن . قوله : ( والعاطف الثاني ) وهو ما في قوله :
« والذين » فإنه ثان بالنسبة إلى ما في قوله : « والبصير » يعني أن « البصير » عطف على « الأعمى » عطف فرد على فرد . نفى استواءهما أولا ثم عطف مجموع الموصول وما عطف عليه عطف فرد على فرد على مجموع « الأعمى » و « البصير » عطف شفع على شفع فأفاد أنهما لا يستويان أيضا لأن المجموع الثاني يغاير المجموع الأول بحسب الوصف ، وإن اتحدا بحسب الذات فإن مجموع الغافل والمستبصر هو مجموع المحسن والمسئ إلا أنهما متغايران بحسب الوصف . فإن الطائفتين اللتين نفيت المساواة بينهما عبر عنهما أولا بالأعمى والبصير وثانيا بالمؤمن والمسئ الفاجر ، ولا تغاير بينهما إلا بحسب الوصف بناء على أن المقصود بالوصفين الأولين مغاير لما قصد بالوصفين الأخيرين .
قوله : ( أو الدلالة بالصراحة والتمثيل ) هذا على أن يكون المقصود بما ذكر من الوصفين أولا عين ما ذكر منهما ثانيا بأن يكون الأعمى مثلا للمسيء والبصير مثلا للمؤمن العابد ، فحينئذ لا يكون بين الشفعين الأخيرين فرق إلا بأن يدل أحدهما على الوصف