تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 341

مساهمون:

ص٣٤١
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ
لتستريحوا فيه بأن خلقه باردا مظلما ليؤدي إلى ضعف المحركات وهدوء الحواس
وَالنَّهارَ مُبْصِراً
يبصر فيه أو به .
شرح
والمسئ على وفق عمله أمرنا بإحسان العمل ليحسن جزاؤنا وبيّن أن جزاء المستكبرين عن عبادته سوء الجزاء . واختلف الناس في المراد بقوله :ادْعُونِي ؛فقيل : إنه أمر بالسؤال والتضرع . وقيل : إنه أمر بالعبادة واستدل عليه بقوله تعالى بعده .إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِيفإنه لولا أن المراد بالدعاء مطلق العبادة لكان المناسب أن يقال بعده : إن الذين يستكبرون عن دعائي ومسألتي ، ولما أردفه بقوله :إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِيعلم أن المراد بالدعاء العبادة ، ولما عبّر عن العبادة بالدعاء عبّر عن الإثابة بالاستجابة رعاية للتشاكل . ويدل على صحة هذا التفسير ما روي عن النعمان بن بشير رضي اللّه عنه أنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الدعاء هو العبادة » ثم قرأ هذه الآية . ومن حمل كلا من الدعاء والاستجابة على ظاهره ورد عليه أن يقال : كيف يحمل عليه وقد قيل بعده :إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِيوكان الظاهر حينئذ أن يقال : إن الذين يستكبرون عن دعائي ؟ فأشار المصنف إلى جوابه بقوله : وإن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلا منزلته إذ الاستكبار الصارف عن العبادة متحد به ادعاء للمبالغة في استلزام كل واحد الآخر ، فإن من استكبر عن مسألة الإحسان من الكريم المنان يستكبر عن عبادته وطاعته أيضا ومن استكبر عن طاعته يستكبر عن مسألة فضله وإحسانه ، فصح بذلك تنزيل كل واحد منهما منزلة الآخر وإيراده بدله . وأجاب عنه ثانيا بجواز أن يكون المراد بالعبادة في قوله :يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِيهو الدعاء وعبّر عن الدعاء بالعبادة ليعلم أن الدعاء باب من أبوابها كما ورد في الحديث « إن الدعاء مخ العبادة » فإن الدعاء هو الخضوع للباري مع إظهار الافتقار والاستكانة وهو المقصود من العبادة والعمدة فيها ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : أفضل العبادة الدعاء لما حث اللّه تعالى عباده على عبادته ذكر دلائل دالة على وجوده وكمال قدرته ووفور رحمته وبالغ حكمته ليكون ذلك أدعى لهم إلى عبادته ، ودلائل وجوده تعالى وقدرته إما فلكية أو عنصرية فبدأ بإيراد الدلائل الفلكية فقال :اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِالآية وهي كالتعليل للأمر بالدعاء كأنه قيل : إني أنعمت عليكم بهذه النعم الجليلة قبل أن تسألوها ومن هذا شأنه كيف لا يستحق العبادة وكيف لا يستجيب دعاء عبده فيما سأله ؟ قوله : ( ليؤدي إلى ضعف المحركات وهدوء الحواس ) لف ونشر مرتب فإن الليل لكونه باردا رطبا تضعف فيه القوى المحركة ولكونه مظلما يؤدي إلى سكون الحواس فتستريح النفس والقوى والحواس بقلة اشتغالها وأعمالها . قوله : ( يبصر فيه أو به ) تصريح بأن النهار ظرف الإبصار أو سببه وليس فاعلا له ليظهر
حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 341 | محيي الدين محمد شيخ زاده / محمد عبد القادر شاهين