أو المراد
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ
فالتجىء إليه
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
( 56 ) لأقوالهم وأفعالهم
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ
فمن قدر على خلقها مع عظمها أولا من غير أصل قدر على خلق الإنسان ثانيا من أصل وهو بيان لأشكل ما يجادلون فيه بأمر التوحيد .
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
( 57 ) لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم .
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى
شرح
المضاف أي ما هم ببالغي مقتضى كبرهم وهو دفع الآيات فإني أنشر أنوارها في الآفاق وأعلى قدرك وأنفذ أمرك ونهيك بين العباد . قوله : ( أو المراد ) مبني على أن يكون الكبر بمعنى إرادة الرياسة أو إرادة الاختصاص بالنبوة فيكون كل واحد منهما مرادا . قوله :
( فالتجىء إليه ) في السلامة من كيد من يحسدك ويتكبر عن متابعتك . قوله : ( وهو بيان لأشكل ما يجادلون فيه بأمر توحيد ) أي لا شبهة بذلك في كونه معظم ما يجب الاعتقاد به ، فإن أول ما يجب على المكلف بعد الاعتقاد بوحدانية اللّه تعالى وبالرسالة أن يعتقد بحقية البعث والجزاء ، فإن الاعتقاد بها هو الذي يحمل المكلف على رعاية أحكام الشرع وأن المجادلة فيها أصل المجادلة في كل شيء ومدارها لأن من اعترف بالبعث والحساب يترك المجادلة في آيات اللّه تعالى رأسا ويجتهد في رعاية جميع ما جاء به الشارع من الأحكام .
فعلى هذا يكون قوله : « أشكل » اسم تفضل من الشكل بمعنى المثل وتكون الباء في قوله :
« بأمر التوحيد » صلة « أشكل » ولم توجد كلمة الباء في أكثر النسخ . فينبغي أن يكون « أمر التوحيد » حينئذ منصوبا بنزع الخافض . وفي الصحاح : الشكل بالفتح المثل والجمع أشكال يقال : هذا أشكل بكذا أي أشبه به . ومقصود المصنف من هذا الكلام الإشارة إلى وجه اتصال قوله تعالى :لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِالآية بقوله :إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِالآية فإن أمر البعث كان مما يجادلون فيه وينكرونه بل هو مبنى مجادلتهم في كل ما يجادلون فيه وأشبه بأمر التوحيد من بين جميع ما يجادلون فيه فلا جرم احتج اللّه على حقيته بأنكم تعترفون بأن خالق السماوات والأرض هو اللّه تعالى ، وبأنها خلق عظيم لا يقادر قدره وأن خلق الإنسان بالقياس إليه شيء قليل مهين لا سيما خلقه على وجه الإعادة ، فمن قدر على خلقها مع عظمها كيف يعجز عن خلق ما هو أحقر منها وأهون ؟ وهذا الاحتجاج أبلغ من الاستشهاد بخلق مثله لأن الاستدلال بالشيء على غيره على ثلاثة أوجه :
الأول أن يقال : من قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد . والثاني أن يقال : من قدر على شيء وجب أن يقدر على مثله وهو استدلال صحيح لما تقرر أن حكم الشيء حكم مثله . الثالث أن يقال : من قدر على الأعظم الأقوى وجب أن يقدر على الأدنى الأضعف بالأولوية وهذا استدلال في غاية الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل البتة .