الدين من المعجزات والصحف والشرائع
وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ
( 53 ) وتركنا عليهم بعده .
من ذلك التوراة
هُدىً وَذِكْرى
هداية وتذكرة أو هاديا ومذكرا
لِأُولِي الْأَلْبابِ
( 54 ) لذوي العقول السليمة
فَاصْبِرْ
على أذى المشركين
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
بالنصر لا يخلفه . واستشهد بحال موسى وفرعون
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
وأقبل على أمر دينك وتدارك فرطاتك كترك الأولى والاهتمام بأمر العدى بالاستغفار فإنه تعالى
شرح
يذكرون الأعذار ولكنها لا تنفعهم بل يصدق بأن لا يعتذروا أصلا ، فإن من لم يعتذر أصلا يصدق أن يقال : إنه لم يعتذر بما ينفعه فلا منافاة بينهما إن كان سلب النفع لانتفاء أصل المعذرة . وأما إن كان سلب النفع عنها مبنيا على أنهم يذكرون الأعذار ولكنها لا تنفعهم لبطلانها ، فحينئذ يحتاج في دفع التناقض إلى اعتبار تعدد الأوقات فإن يوم القيامة يوم طويل فجاز أن يعتذروا في وقت آخر بأن يمنعوا من الكلام بأن يقال لهم : اخسؤوا ولا تكلمون .
ثم إنه تعالى لما بيّن أنه ينصر الأنبياء ومن آمن بهم في الدنيا والآخرة ذكر نوعا من أنواع تلك النصرة فقال :وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى .قوله : ( وتركنا عليهم بعده ) إشارة إلى أن قوله : « أورثنا » مستعار لتركنا عليهم بعده لتعذر حمله على أصل معناه لأن الإيراث الحقيقي إنما يتعلق بالمال ، والنكتة في اختيار طريق التجوز الإشعار بأن ميراث الأنبياء ليس إلا العلم والكتاب الهادي في باب الدين قوله : ( من ذلك ) إشارة إلى الهدى خص الكتاب بكونه متروكا لهم بعده لأن سائر ما اهتدي به في أمر الدين قد ارتفع بموته . قوله : ( هداية وتذكرة ) يعني أنهُدىً وَذِكْرىيجوز أن يكونا مفعولين لهما وأن يكونا مصدرين بمعنى اسم الفاعل وقعا موقع الحال وانتصبا على الحالية . والفرق بين الهدى والذكرى أن الهدى ما يكون دليلا على شيء آخر وليس من شرطه أن يذكر شيئا آخر كان معلوما ثم صار منسيا ، وأما الذكرى فهو الذي يكون كذلك . وكتب الأنبياء مشتملة على هذين القسمين فإن بعضها دلائل في أنفسها وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلهية المتقدمة . قوله : ( واستشهد بحال موسى ) إشارة إلى أن قوله تعالى :فَاصْبِرْمرتب على قوله :إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَناوإن قوله :وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدىكالجملة المعترضة أوردت بينهما للبيان والتأكيد لنصرة الرسل ، كأنه قيل : إذا سمعت ما وعدت به من نصرة الرسل وما فعلنا بموسى من إيتائه أسباب الهدى والنصرة على فرعون وقومه وإبقاء آثار هداه في بني إسرائيل بعده ، فاعلم أن اللّه ناصرك كما نصرهم واصبر على أذى المشركين فإن العاقبة لك . قوله :
( وتدارك فرطاتك ) قيل : المصدر في قوله تعالى :وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَمضاف إلى المفعول أي لذنب أمتك في حقك . والظاهر أنه تعالى يقول : ما أراد أن يقول وإن لم يجز لنا أن نضيف إليه ذنبا . وقيل : هذا تعبد من اللّه تعالى لرسوله ليزيد به درجة وليصير ذلك سنة لمن بعده .