يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ
بدل من الأول وعدم نفع المعذرة لأنها باطلة أو لأنه لا يؤذن لهم فيعتذرون . وقرىء غير الكوفيين ونافع بالتاء
وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ
البعد من الرحمة
وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
( 52 ) جهنم
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى
ما يهتدي به في
شرح
إليها الخلل والفتور أبد الآباد . وقد سمى اللّه تعالى هذه النصرة سلطانا في غير موضع وهي أقوى من سلطنة الدنيا لأنها قد تبطل وقد تتبدل بالفقر والذلة بخلاف سلطنة الحجة . ومنها أن ينصرهم بأن يجعل الظفر والقهر والغلبة في المحاربة لهم على أعدائهم فإنه لم ير وكون الرسول مغلوبا في المحاربة وإن اتفق أن يقع لبعض من المحقين نوع من أنواع المكاره من قبل أعدائهم كما وقع ليحيى وزكرياء وبعض آخر من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، فإنه تعالى قد انتقم لهم من أعدائهم في الدنيا ولو بعد حين ألا ترى أن يحيى بن زكريا لما قتل قتل به سبعون ألفا على يد بخت نصر ؟ ومنها أنهم منصورون بالمدح والتعظيم أيضا فإن أعداءهم وإن غلبوا عليهم في بعض الأحيان إلا أنهم لا يقدرون على إسقاط مدحهم من ألسنة الناس وإسقاط تعظيمهم ومحبتهم من قلوبهم فهم منصورون في الدنيا بأحد هذه الوجوه لا محالة ، وفي الآخرة أيضا بإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب وتعذيب أعدائهم في دركات العقاب . وإنما آثر قوله :وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُعلى قوله :وَفِي الْآخِرَةِ *للإيذان بأن السلطان العظيم إذا خص بعض أوليائه بالإكرام والتشريف بمحضر الأشهاد والجمع العظيم يكون ذلك ألذ وأبهج بالنسبة إلى الكرامة في الخلوة والمراد بالأشهاد كل من يشهد بأعمال العباد يوم القيامة من الملائكة والأنبياء والمؤمنين . أما الملائكة فهم الكرام الكاتبون يشهدون بما شاهدوا ، وأما الأنبياء فإنهم يحضرون يوم القيامة ليشهدوا على الأمم بالتصديق والتكذيب قال تعالى :فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً[ النساء : 41 ] وأما المؤمنون فإنهم يشهدون على الناس أيضا يوم القيامة قال تعالى :وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً[ البقرة : 143 ] ثم إنه تعالى بيّن أن إكرام الأنبياء وتشريفهم يكون في يوم القيامة بأن يحصل لأعدائهم فيه أمور ثلاثة : الأول أنهم لا ينفعهم شيء من المعاذير البتة ، والثاني أن لهم اللعنة وهذا يفيد انحصار اللعنة فيهم وهي الإهانة والإذلال ، والثالث اختصاصهم بسوء الدار والمقصود من بيان إكرام الأنبياء في زمان إهانة الأعداء تعظيم ثواب الأنبياء لأن الأشياء تعرف بأضدادها .
قوله : ( وعدم نفع المعذرة الخ ) جواب عما يقال : قوله تعالى :يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْيدل على أنهم يذكرون الأعذار إلا أنها لا تنفعهم فما وجه الجمع بين هذا وبين قوله :وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ[ المرسلات : 36 ] وتقرير الجواب أن قوله تعالى :لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْلا يدل إلا على أنه ليس عندهم عذر مقبول نافع وصدقه لا يستلزم أنهم