لا جَرَمَ
لا رد لما دعوه إليه . و « جرم » فعل بمعنى حق وفاعله .
أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ
أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلا لأنها جمادات ليس لها ما يقتضي ألوهيتها أو عدم دعوة مستجابة أو عدم استجابة دعوة لها . وقيل : « جرم » بمعنى كسب وفاعله مستكن فيه أي كسب ذلك الدعاء إليه أن لا دعوة له بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته . وقيل : فعل من الجرم بمعنى القطع كما أن بد من لا بد فعل من التبديد وهو التفريق ، والمعنى : لا قطع لبطلان
شرح
الواقع وإنما حمله على الكناية لأن عدم العلم بالشيء لا يكون سببا لإنكار القوم في دعوتهم إياه إلى إشراكه به تعالى ، وأتى بقوله :تَدْعُونَنِيجملة فعلية لتدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها وأتى بقوله :وَأَنَا أَدْعُوكُمْجملة اسمية لتدل على ثبوت دعوته وتقويتها .
قوله : ( أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها الخ ) يعني أن مؤمن آل فرعون بعد ما رد عليهم ما دعوه إليه من الكفر والإشراك بقوله :لا جَرَمَاستدل به على بطلان ربوبية الأصنام ويمكن تقريره بثلاثة أوجه : الأول أن تنكير دعوة في سياق النفي يدل على أن الأصنام لا تدعو الخلق إلى عبادة أنفسها أصلا ، ومن حق المعبود أن يدعو الناس إلى عبادته بإرسال الرسل وإنزال الكتب وهذا الشأن منتف عن الأصنام بالكلية لأنها في الدنيا جمادات لا تستطيع شيئا من دعاء غيرها ، وفي الآخرة إذا أنشأها اللّه تعالى حيوانا ناطقا تتبرأ من عبدتها . والثاني أن الأصنام كيف تكون ربا وليس لها دعوة مستجابة من قبل عبدتها فإن العبدة وإن كانوا يدعون الآلهة لكنها لا تستجيب لداعيها حتى تثبت لها دعوة مستجابة ، فلما لم تثبت لها دعوة مستجابة قيل : ليس لها دعوة لأن الداعي إذا دعا ولم يستجب له فكأنه لم يدع . فقوله : « وليس له دعوة » بتنكير دعوة في سياق النفي الدال على الاستغراق مبني على جعل الدعوة الغير المستجابة كلا دعوة أو على تسمية المسبب وهو الاستجابة باسم السبب الذي هو الدعاء حيث ذكر الدعوة وأريد الاستجابة مجازا مرسلا لعلاقة السببية . والثالث كالثاني بحسب المعنى إلا أنه قدر المضاف في قوله ليس له دعوة أي ليس له استجابة دعوة أصلا . قوله : ( وقيل جرم بمعنى كسب ) أي قيل : لا رد لما دعوه إليه من الكفر والإشراك .
وقوله : « جرم » فعل بمعنى كسب وفاعله المستكن فيه راجع إلى الدعاء الذي دل عليهتَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِوأن « أن » مع ما في حيزها مفعول « جرم » بمعنى كسب ومعناه كون دعائهم إياه إلى الإشراك وعبادة الأصنام سببا في بطلان تلك الدعوة والعبادة كأنه قيل : إنكم تزعمون أن دعاءكم إلى الإشراك يبعثني على الإقبال عليه والحال أنه سبب للإعراض عنه وظهور بطلانه . قوله : ( وقيل فعل ) عطف على قوله : « وجرم » فعل بمعنى حق فعلى هذا يكون « جرم » اسم « لا » مبنيا على الفتح لا فعلا ماضيا كما هو كذلك على الوجهين