تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها
عدلا من اللّه . وفيه دليل على أن الجنايات تغرم بمثلها .
وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ
( 40 ) بغير تقدير وموازنة بالعمل بل أضعافا مضاعفة فضلا منه ورحمة . ولعل تقسيم العمال وجعل الجزاء اسمية مصدرة باسم
شرح
جرم كان عقابه مؤبدا ، بخلاف الفاسق فإنه يعتقد في حق فسقه أنه جناية ومعصية فيكون على عزم أن لا يبقى مصرا عليه فلا جرم كان عقابه منقطعا . وما يقوله المعتزلة من أن عقابه مؤبد فهو باطل لأن مدة تلك المعصية منقطعة والعزم على الإتيان بها أيضا ليس دائما بل هو منقطع أيضا فمقابلته بعذاب دائم تكون على خلاف قوله تعالى :مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها .قوله : ( وفيه دليل على أن الجنايات ) أي سواء كانت في النفوس أو الأعضاء أو الأموال تغرم بمثلها لأنه تعالى بيّن أن جزاء السيئة سيئة مماثلة لها فدلت الآية على وجوب رعاية المماثلة بينهما وأن الزائد على المثل غير مشروع . قوله : ( ولعل تقسيم العمال ) أي بقوله :مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىوقوله تعالى : « أولئك » مبتدأ والجملة الفعلية بعده خبره ، وتعريف المسند إليه بالإشارة للتنبيه على أن المشار إليه جدير للحكم المذكور و « بعد » اسم الإشارة لأجل الأوصاف المذكورة بعد المشار إليه كما في قوله تعالى :أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ[ البقرة : 5 ؛ لقمان : 5 ] فإن المشار إليه وهم المتقون قد عقب بأوصاف هي الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقناهم . ثم قيل :أُولئِكَ عَلى هُدىًللتنبيه على أن كونهم على الهدى عاجلا وفوزهم بالفلاح آجلا من أجل اتصافهم بالأوصاف المذكورة ، فكذا الحال ههنا فإنه عرف المسند إليه بإيراده اسم إشارة للتنبيه على أن فوزهم بدخول الجنة وكونهم مرزوقين فيها بغير حساب من أجل اكتسابهم عملا صالحا حال اتصافهم بالإيمان . ووجه دلالة هذا الأسلوب على تغليب جانب الرحمة أن الجزاء المذكور قد علق على أن يعمل العامل صالحا واحدا من الصالحات بشرط الإيمان فإن صالحا في قوله :مَنْ عَمِلَ صالِحاًنكرة في سياق الإثبات فلا تعم فجرى مجرى أن يقال : من ذكر كلمة أو خطى خطوة فله كذا فإنه يدخل فيه كل من أتى بتلك الكلمة أو تلك الخطوة مرة واحدة ، فكذا ههنا وجب أن يقال : كل من عمل صالحا واحدا من الصالحات فإنه يدخل الجنة ويرزق فيها بغير حساب وإن زنى وإن سرق ، ومن قال : إن صاحب الكبيرة إذا لم يتب منها يبقى خالدا في النار أبدا فقد خالف هذا النص الصريح ولا خفاء في دلالة هذه الآية على أن جانب الرحمة والفضل راجح على جانب القهر والعقاب حيث دلت على أن الصالح الواحد يؤدي إلى النعيم الدائم وما اكتسبه صاحبه من السيئات وإن كثرت معفو إما ابتداء وإما بعد أن يعاقب بما يماثله .