تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ
سبيل الرشاد والفاعل على الحقيقة هو اللّه تعالى . ويدل عليه أنه قرئ و « زين » بالفتح وبتوسط الشيطان . وقرأ الحجازيان والشامي وأبو عمرو و « صد » على أن فرعون صد الناس عن الهدى بأمثال هذه التمويهات والشبهات . ويؤيده
وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ
( 37 ) أي خسار
وَقالَ الَّذِي آمَنَ
يعني مؤمن آل فرعون وقيل : موسى .
يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ
بالدلالة
سَبِيلَ الرَّشادِ
( 38 ) سبيلا يصل سالكه إلى المقصود . وفيه تعريض بأن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي .
يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ
تمتع يسير لسرعة زوالها .
وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ
( 39 ) لخلودها .
شرح
أنه صفة مصدر محذوف أي زين له وصده تزيينا وصدا مثل ذلك التزيين والصد . والمعتزلة لما أبوا من إسناد التزيين والصد إليه قالوا : المزين والصاد هو الشيطان ، ونحن نقول : إن كان المزين لفرعون هو الشيطان فالمزين للشيطان إن كان شيطانا آخر لا إلى نهاية لزم التسلسل في الشياطين أو الدور وهو باطل ، ولما بطل ذلك وجب انتهاء الأسباب والمسببات إلى واجب الوجود وأن الفاعل الحقيقي هو اللّه تعالى ، وأن إسناده إلى الشيطان في نحو قوله تعالى :وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ[ النمل : 24 ؛ العنكبوت : 38 ] باعتبار أن له مدخلا فيها بوسوسته . قوله : ( ويدل عليه أنه قرىء وزين بالفتح ) أي بفتح الزاي لأنه جرى ذكر إله موسى . ومن قرأ و « صد » على بناء الفاعل أسنده إلى ضمير فرعون وحذف مفعوله أي صد قومه عن الهدى والرشاد ضد الغواية وكلاهما من صفات من يسلك السبيل والإضافة في سبيل الرشاد من قبيل إضافة السبب إلى المسبب أي سبيلا يرشد سالكه ويأمن من الغواية . قوله : ( تمتع يسير ) يعني أن المتاع اسم بمعنى المتعة وهي التمتع والانتفاع لا بمعنى السلعة ، لأن وقوعه خبرا عن الحياة الدنيا يمنع منه وأن التنكير فيه للتقليل . وفي الصحاح : المتاع السلعة والمتاع أيضا المتعة وهي ما تمتعت به . ولما كانت الحياة الدنيا ولذائذها سريعة الزوال وكانت الآخرة دار القرار ظهر أن العاقل ينبغي أن يسعى فيما يسعده في دار الأبد ويتمتع في الدنيا بما يبلغه إلى سعادة الآخرة لأن الدائم خير من المنقضي . قال بعض العارفين : لو كانت الدنيا ذهبا فانيا والآخرة خزفا باقيا لكانت الآخرة خيرا من الدنيا ، فكيف والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق . ولما بيّن أن سبيل الرشاد هو التجافي عن دار الفناء والغرور والإنابة إلى دار الأبد والخلود بيّن كيف تحصل المجازاة في الآخرة فقال :مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَهاوالمراد بالمثل ما يقابلها في الاستحقاق . قال الإمام : فإن قيل : كيف يصح هذا الكلام مع أن كفر ساعة يوجب عقاب الأبد ؟ قلنا : إن الكافر يعتقد في كفره أنه طاعة وإيمان فلهذا السبب يكون الكافر على عزم أن يبقى على ذلك الاعتقاد أبدا فلا