استنبائه .
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً
في دعوى الرسالة .
وَكَذلِكَ
ومثل ذلك التزيين
شرح
والامتثال لأمره وأن يحكى عنه شدة شكيمته وعلوه في الإسراف . وإنما قلنا إن امتناع ذلك معلوم بالبداهة لأن كل أحد يعلم بالبداهة أن ليس في وسع البشر أن يبني ما هو رافع من أرفع الجبال وأن من نظر إلى السماء من أسفل ما هو أرفع الجبال ثم نظر إليها من أعلى ذلك الجبل لا يجد تفاوتا في نسبة السماء إليه بأن تكون في إحدى الحالتين أقرب إليه منها في الحالة الأخرى ، ومع هذا العلم كيف يقصد العاقل أن يبنى بناء يصعد منه إلى السماء وفرعون من العقلاء ؟ فلا وجه لأن يسند إليه مثل هذا القصد ، وإن ذهب بعض أهل التفسير إلى أنه قد قصد ذلك وذكر حكاية طويلة في كيفية بناء ذلك الصرح ولما كان قول هذا البعض بعيدا كل البعد ذكر المصنف في وجه أمره لهامان ببناء الصرح وجهين : أولهما أنه أراد بالصرح الرصد في موضع عال وبالأسباب الكواكب التي هي أسباب سماوية يتوصل بها إلى الاطلاع على الحوادث الأرضية ، وباطلاعه إلى إله موسى أن يطلع إلى أنه هل أرسل موسى عليه الصلاة والسّلام أولا . وثانيهما أن فرعون كان من الدهرية وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر العالم القادر وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك من غير أن يستند إلى صانع خارج من المجموع من حيث هو مجموع ولم يزل الحيوان مثلا من النطفة والنطفة من الحيوان لا إلى نهاية ، وهؤلاء هم الزنادقة وفرعون كان منهم . وغرضه من هذا الكلام إيراد شبهة في نفي الصانع الذي هو إله العالم وتقريرها : إنّا لا نرى شيئا نحكم عليه بأنه إله العالم فكيف نحكم بوجود ما لم نره ؟ أما إنّا لا نراه فلأنه لو كان موجودا لكان في السماء وما في السماء لا يراه أهل الأرض إلا بصعود السماء ولا سبيل لنا إلى صعود السماء ، فلا سبيل لنا إلى رؤية الإله الذي هو رب موسى والحكم بوجوده إلا بتقليد رجل لا نعلم أصادق هو أم كاذب . ثم إن فرعون أراد المبالغة في بيان أنه لا يمكن الصعود إلى السماء فأمر هامان بأن يبني له صرحا يصعد منه إلى السماء ليعترف بعجزه عنه مع أنه أقدر أهل الأرض فيتحقق امتناع الصعود إلى السماء ويظهر به امتناع الوصول إلى معرفة إله العالم بطريق الرؤية والإحساس . وهذه الشبهة فاسدة لأن طرق العلم ثلاثة : الحس السليم والخبر الصادق ونظر العقل ، ولا يلزم من امتناع كون الحس طريقا إلى معرفة اللّه تعالى امتناع معرفته مطلقا وقد بيّن موسى لفرعون أن الطريق إلى معرفة اللّه تعالى إنما هو النظر والاستدلال بالآثار كما قال :رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ[ الشعراء : 26 ؛ الصافات : 126 ؛ الدخان : 8 ] وقال :رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ[ المزمل : 9 ] إلا أن فرعون بسبب خبثه ومكره تغافل عنه وألقى إلى الجهال أنه لما كان الطريق إلى الإحساس بهذا الإله منتفيا وجب نفيه وتكذيب من يدعي أنه رسول من قبله . قوله : ( ومثل ذلك التزيين ) إشارة إلى أن الكاف في محل النصب على