وَغَرابِيبُ سُودٌ
( 27 ) عطف على بيض أو على جدد كأنه قيل ومن الجبال ذو جدد مختلفة اللون ، ومنها : غرابيب متحدة اللون . وهو تأكيد مضمر يفسره فإن الغربيب تأكيد للأسود ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد . ونظير ذلك في الصفة قول النابغة : شعر
والمؤمن العائذات الطير يمسحها * ركبان مكة بين الغيل والسند
وفي مثله مزيد تأكيد لما فيه من التكرير باعتبار الإضمار والإظهار .
شرح
وأضعف من آخر ، وكذا كل واحد من الجدد الحمر تخالف حمرته حمرة الباقين بأن يكون أشد منها حمرة أو أضعف . ويحتمل أن يكون المعنى أن الجدد مختلف ألوانها بأن يكون بعضها أبيض وبعضها أحمر ، فيكون الجدد كلها على لونين بياض وحمرة إلا أنه عبّر عن اللونين بالألوان لتكثر كل منهما باعتبار محالهما وعلى الأول لا حاجة إلى هذا التوجيه .
قوله : ( عطف على بيض أو على جدد ) فإن كان عطفا على « بيض » يكون من تفاصيل الجدد كالبيض ، وإن كان عطفا على « الجدد » لا يكون داخلا في تفصيله بل يكون قسيمه أي منها ذو جدد وسود . وأشار بقوله : « كأنه قيل » إلى أنه تفرع على قوله : « أو على جدد » . والغربيب هو الأسود المتناهي في السواد فيكون تابعا للأسود مثل : قان وناصع في قولهم : أحمر قان وأبيض ناصع . والواو في قول النابغة والمؤمن للقسم والمؤمن اسم فاعل مجرور بها ، والعائذات الحمائم التي عاذت بمكة والتجأت إليها وضمير يمسحها للطير ، والغيل والسند موضعان وجواب القسم في البيت الذي بعده وهو قوله :ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه * إذن فلا رفعت سوطي إلى يديفكأنه قال : واللّه المؤمن الطير العائذات ما أتيت بشيء أنت تكرهه وإلا أذن فشلت يدي . فمفعول المؤمن مضمر هو الطير والطير المذكور يفسره والعائذات صفة لذلك المضمر لا للمذكور لتقدمه عليه ، ومن حق الصفة أن تتبع موصوفها وقد يضمر الشيء ثم يفسر بما ذكر بعده قصدا إلى زيادة التأكيد بأن يدل على المعنى الواحد من طريق الإظهار والإضمار جميعا . قوله : ( وهو تأكيد مضمر ) جواب عما يقال : إن الغربيب تأكيد الأسود كما أن القاني تأكيد الأحمر والناصع تأكيد الأبيض ، ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد فينبغي أن يقال :
وسود غرابيب كما يقال : أحمر قان وأبيض ناصع فلم قدم التأكيد على المؤكد ؟ وأجاب عنه بأن ما ذكره إنما يرد أن لو كان غرابيب تأكيدا لما بعده وليس كذلك بل هو تأكيد لمضمر يفسره ما بعده ، والتقدير : وسود غرابيب سود كما أن التقدير البيت والمؤمن الطير العائذات الطير ، ويفعل ذلك لزيادة التأكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإضمار والإظهار جميعا .