ويجوز أن يكون صلة لقوله :
بَشِيراً وَنَذِيراً
أي بشيرا بالوعد الحق ونذيرا بالوعيد الحق .
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ
أهل عصر
إِلَّا خَلا
مضى
فِيها نَذِيرٌ
( 24 ) من نبيّ أو عالم ينذر عنه ، والاكتفاء بذكره للعلم بأنّ النذارة قرينة البشارة سيّما وقد قرن به من قبل أو لأن الإنذار هو المقصود الأهمّ من البعثة .
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
بالمعجزات الشاهدة على نبوّتهم .
وَبِالزُّبُرِ
وبصحف إبراهيم
وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ
( 25 ) كالتوراة والإنجيل على إرادة التفصيل دون الجمع . ويجوز أن يراد بهما واحد
شرح
لمصدر محذوف أي إرسالا ملتبسا بالحق ومصحوبا به وأن يكون متعلقا بقوله :بَشِيراً وَنَذِيراًإلا أنه لا يمكن أن يتعلق بهما معا بل إنما يتعلق على طريق التنازع وبأيهما يتعلق يقدر للآخر ما يتعلق به . ويكون حاصل المعنى ما أشار إليه بقوله : بشيرا بالوعد الحق ونذيرا بالوعيد الحق . قوله : ( أهل عصر ) فسر الأمة بهذا المعنى لأنه المناسب في هذا المقام لأن الأمة كل جماعة يجمعهم أمر يشتركون فيه : إما دين واحد أو مكان واحد كأمة الإجابة ، أو دعوة واحدة كأمة الدعوة ، أو طريقة واحدة أو زمان واحد . فقوله تعالى :وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ[ القصص : 23 ] يصلح مثالا لهذه الثلاثة كأنه قيل : ما من قرن فيما سلف إلا مضى فيه من يبشر أهل الطاعة بالجنة وينذر أهل المعصية بالنار إلزاما للحجة عليهم وقوله :إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌخبر عن أمة . قوله : ( أو عالم ينذر ) أي ينذر أهل عصره من الأمة راويا ما بلغه إليهم من أمور الدين عن نبيه . وهو إشارة إلى جواب ما يقال : الأمة الواقعة في زمن الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسّلام لم يكن فيها نذير فما وجه قوله تعالى :وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ .قوله : ( والاكتفاء بذكره ) جواب عما يقال :
لم اكتفي بذكر النذير عن البشير في آخر الآية مع ذكرهما معا آنفا ؟ وأجاب عنه بأن النذارة والبشارة لما كان كل واحدة منهما من توابع الأخرى ولوازمها من حيث إن كل من ينذر على المخالفة يبشر على الموافقة جاز الاكتفاء بإحداهما عن الأخرى ، ولأن المقصود الأهم من البعثة هو الإنذار لأن الناس لتماديهم في الغفلة والضلال وانهماكهم في اتباع الشهوات واللذات وتقليد البطلة المصرين على المنكرات كان احتياجهم إلى النذير أهم لأن التخلية عن الرذائل متقدمة على التحلية بالفضائل . وتقريره : أن النذير بمعنى المنذر من العذاب أعم من النبي المخبر عن اللّه تعالى ومن العالم المخبر عن النبي ، وفترة عيسى عليه الصلاة والسّلام لم يزل فيها من هو على دينه وداع إلى الإيمان وحين ارتحلوا وانقرضوا ولم يبق منهم أحد بعث اللّه تعالى محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . قوله : ( كالتوراة والإنجيل ) إشارة إلى أن المراد بالكتاب المنير ليس مطلق الكتاب ليتحد بالزبر ويعم الصحف وغيرها بل المراد به الكتاب الكبير المنور