وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ
كاختلاف الثمار والجبال
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
إذ شرط الخشية معرفة المخشى والعلم بصفاته وأفعاله ، فمن كان أعلم به كان أخشى منه ، لذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني أخشاكم اللّه وأتقاكم » له ولهذا اتبعه ذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته وتقديم المفعل لأن المقصود حصر الفاعلية ولو أخّر انعكس الأمر . وقرىء برفع « اللّه » ونصب « العلماء » على أن الخشية مستعارة للتعظيم فإن المعظم يكون مهيبا
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
( 28 ) تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب عن
شرح
قوله : ( كاختلاف الثمار والجبال ) إشارة إلى أن محل الكاف في « كذلك » النصب على أنه صفة لمصدر محذوف والمعنى : ومن الناس والدواب والأنعام نوع أو صنف أو بعض مختلف ألوانه اختلافا كائنا كاختلاف الثمرات والجبال على أن قوله تعالى :« مُخْتَلِفٌ »صفة لموصوف محذوف هو مبتدأ والجار والمجرور قبله وهو « من الناس » خبره ولذلك عمل اسم الفاعل .
قوله : ( ولهذا اتبعه الخ ) أي ولكون شرط الخشية ما ذكر . نزلت هذه الآية تابعة لقوله :أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءًإلى آخر ما يدل على أفعاله الدالة على كمال قدرته ، فإنه تعالى لما عدد لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أعلام قدرته الباهرة فقد حرضه على النظر في آياته الدالة على عظمة شأنه وكمال كبريائه ليعرفه بصفات كماله ويخشاه حق خشيته ، والظاهر أنه فصله عما قبله استئنافا جوابا لسؤال نشأ مما قبله فكأنه لما قيل : ألم تر الخ قال : لم تخصصني بهذا الخطاب ؟ فأجيب بأنهإِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُلأن العلم المترتب على النظر في الآيات وآثار الصنع إنما يحصل فيك وفيمن هو على صفتك في التفكر والتدبر . قوله : ( ولو أخّر انعكس الأمر ) أي الحال فكان المعنى : العلماء لا يخشون إلا اللّه وهو غير مستلزم للمقصود لأنه لا ينافي أن يكون غير العلماء خائفا من اللّه والمقصود حصر الخوف من اللّه تعالى في العلماء . والمعنى الآخر : وإن جاء في التنزيل في قوله تعالى :وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ[ الأحزاب : 39 ] لكن ليس هو الغرض في هذا المقام . قوله : ( فإن المعظم يكون مهيبا ) إشارة إلى وجه تشبيه التعظيم بالخشية من حيث اتحاد تعلقهما ، فإن المعظم لكونه على أكمل الخلق وأحسن الأحوال يخاف منه القاصرون ، فاستعير لفظ الخشية للتعظيم ثم اشتق من الخشية المستعارة لفظ يخشى . قوله : ( لدلالته ) أي لدلالة قوله :إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌعلى عقوبة العصاة ومغفرة التائب من ذنبه ، والقادر على العقوبة والغفران حقه أن يخشى فإن قلت : أي مدخل لقوله تعالى :غَفُورٌفي الدلالة على أنه تعالى يجب أن يخشى مع أن الوصف بالغفران موجب للرجاء دون الخوف ؟ قلت ما ذكرته : إنما يرد إذا ذكر