تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
عصيانه
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ
يداومون قراءته ، أو متابعة ما فيه حتى صارت سمة لهم وعنوانا . والمراد بكتاب اللّه القرآن أو جنس كتب اللّه فيكون ثناء على المصدقين من الأمم بعد اقتصاص حال المكذبين .
وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا
شرح
التعرض لصفة الغفران فقط ، وأما إذا قرن بما يدل على عزته وانتقامه من المسئ فحينئذ يكون المقصود بيان قدرته الكاملة وأنه يفعل ما يشاء وهذه الصفة توجب الخوف . قوله : ( يداومون قراءته أو متابعة ما فيه ) إشارة إلى أن « يتلون » يجوز أن يكون مضارع تلاه تلوا بمعنى تبعه وأن يكون مضارع تلاه تلاوة بمعنى قرأه . وحمل « يتلون » على الاستمرار أخذا من كون ما عطف عليه مخالفا حيث كان على صفة الماضي وهو قوله :وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا[ فاطر : 29 ] ولولا ذلك القصد أي قصد الاستمرار لجيء به ماضيا كما في قوله تعالى :وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُواوكون المقام مقام المدح يؤيد كون الفعل محمولا على الاستمرار فإنك إذا قلت في مقام المدح : فلأن يطعم الجائعين ويعين المضطرين فإنما تريد أن شأنه وديدنه ذلك ، ولم يقصد الدلالة على الاستمرار في إقامة الصلاة والإنفاق لأن المراد بهما إقامة الصلوات الخمس وإيتاء الزكاة وهما لكونهما موقتين بأوقات معينة لا يتصور الاستمرار فيهما . قوله : ( فيكون ثناء على المصدقين ) يعني على تقدير كون المراد بكتاب اللّه جنس كتب اللّه تكون الآية مرتبطة بقوله تعالى :وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ[ فاطر : 25 ] إلى قوله :ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا[ فاطر : 26 ] اقتص به حال المكذبين من الأمم المتقدمين . ثم أثنى بهذه الآية على المصدقين منهم كأنه قيل : لما أرسل إلى كل أمة رسولا ينذرهم صاروا فريقين منهم من كذب رسولهم فأهلكهم ومنهم من صدقه فأولئك يرجون تجارة لن تبور ، وعلى تقدير أن يكون المراد بكتاب اللّه القرآن تكون مرتبطة بقوله :إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُبيّن أولا أن العلم بصفات اللّه وأفعاله يورث الخشية ثم بيّن ثواب العالمين بكتاب اللّه العاملين بما فيه ، وفي الآيتين إشارة إلى أن أول الواجب على المكلف النظر في مصنوعات اللّه ليؤديه ذلك النظر إلى علمه تعالى بصفاته وأفعاله ثم يؤدي ذلك العلم إلى الخشية التي هي عمل القلب ، ثم إن تلك الخشية تؤدي إلى الذكر باللسان الذي هو أفضله وأجمعه تلاوة القرآن ، ثم يؤدي ذلك الذكر إلى العمل بالجوارح الذي هو أفضله وأجمعه إقامة الصلاة ، وهذه العبادات الثلاث هي المتعلقة بالقلب واللسان والجوارح كلها من قبيل تعظيم أمر اللّه تعالى وبقي من الأعمال الدينية ما يكون من قبيل الشفقة على عباد اللّه فإن رجاء اللّه إنما يتم بالشفقة على المحتاجين من خلقه وأشير إليه بقوله :وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْمع أن الإقامة التي هي إتيان الشيء مستقيما مستجمعا لجميع ما له مدخل في حسنه وكماله يغني عن التعرض لما يدل على استمراره ، فإن إقامة الصلاة والزكاة إنما تحصل