مطلقا عن الرحمة فضلا عن المغفرة وإطلاقها ، وتعليله بأن اللّه يغفر الذنوب . ووضع الاسم الظاهر موضع الضمير لدلالته على أنه المستغني والمنعم على الإطلاق والتأكيد
شرح
جَمِيعاًأي ويغفر ذنوب من أشرك أيضا . فلعل الصحابي نظر إلى عموم قوله :يا عِبادِيَلمن آمن وأشرك فقال : وذنوب من أشرك أيضا . وسكوته عليه الصلاة والسّلام يحتمل أن يكون لتعليم التأني أو لانتظار الوحي أو لاجتهاد على رأي من يجوّزه له عليه الصلاة والسّلام . روي في سبب نزول هذه الآية وجوه ؛ قيل : إنها نزلت في أهل مكة فإنهم قالوا :
يزعم محمد أن من قتل النفس وعبد الأوثان لا يغفر له وقد عبدنا وقتلنا فكيف نسلم ؟
ولعلهم قالوا ذلك حين سمعوا قوله تعالى في آخر الفرقان :وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً[ الفرقان : 63 ] إلى أن قال :وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً[ الفرقان : 68 ، 69 ] فنزلت جوابا لهم أي قل لهؤلاء المشركين عني يا عبادي أي يا خلقا أنا مالكهم أصرفهم في حكمي كيف أشاء . وقيل : نزلت في وحشي قاتل حمزة عم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد . روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن وحشيا كتب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة أني أريد أن أسلم ولكن يمنعني آية نزلت عليك من القرآن هي قوله :وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماًوإني قد فعلت هذه الأشياء الثلاثة فهل لي من توبة ؟ فنزلت هذه الآية :إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً[ الفرقان : 70 ] فكتب ذلك وأرسله إلى وحشي فقال وحشي : إن في الآية شرطا وهو العمل الصالح وأنا لا أدري ءأقدر عليه أم لا ؟ فنزلإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ[ النساء : 48 ، 116 ] فكتب بذلك إلى وحشي وكتب وحشي إليه أن في هذه الآية شرطا أيضا وهو قوله تعالى :لِمَنْ يَشاءُولا أدري أيشاء أن يغفر لي أم لا ؟ فنزل قوله تعالى :قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِفكتبه إلى وحشي فلم يجد فيه الشرط فقدم المدينة فأسلم فقال المسلمون : هذا له خاصة أم للمسلمين عامة ؟ قال عليه الصلاة والسّلام : « بل للمسلمين عامة » . وقيل : نزلت في أناس أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يقبل اللّه تعالى توبتهم .
وقيل : نزلت في عياش بن ربيعة والولد بن الوليد ونفر من المسلمين اسلموا ثم فتنوا بأن أمروا بالتكاليف الشرعية من القتال وغيره فلم يصبروا عليها فارتدوا والعياذ باللّه . قال الإمام :
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فنزول هذه الآيات في هذه الوقائع لا يمنع من عمومها .