ولو بعد تعذيب . وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر . ويدل على إطلاقه فيما عدا الشرك قوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
[ النساء : 48 ، 116 ] الآية ، والتعليل بقوله :
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
( 53 ) على المبالغة وإفادة الحصر والوعد بالرحمة بعد
شرح
من رحمة اللّه بمنزلة أمره بأن يطمعوا ويرجوا رحمته تعالى والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم بالمغفرة ، والتفضل في حق عامة المكلفين من المؤمنين والمشركين ويعارضه نصوص كثيرة فما وجه التوفيق ؟ وإذا خص العباد بالمؤمنين بشهادة الإضافة يكون معنى الآية إطماع المؤمنين بأنه تعالى يغفر جميع ذنوبهم من الصغائر والكبائر فإن من قال : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ينجو من النار قطعا إما قبل الدخول في جهنم وإما بعد الدخول فيها كما قال المصنف رحمه اللّه « يغفرها عفوا ولو بعد تعذيب » أي يسترها جميعا بأن يمحوها من عفا الدار أي هدمها . واعلم أن أهل السنة ذهبوا إلى أنه تعالى يغفر جميع ذنوب المؤمنين ويعفو عنها قطعا وأن هذا العفو والغفران يقع على وجهين : تارة يقع ابتداء وتارة بعد أن يعذب في النار مدة ثم يخرج من النار ويعفى عنه . فإن قيل : إذا كانت جميع الذنوب مكفرة بعفو اللّه تعالى ومغفرته فما الحاجة إلى التوبة ؟ فإن التوبة يراد بها إسقاط العذاب فإذا سقط العذاب بعفو اللّه تعالى فأي حاجة إلى التوبة مع أنها واجبة على العاصي عندنا وإن لم تكن شرطا في العفو والغفران . أجيب بأن فائدتها إسقاط العذاب عمن تكون مغفرته مسبوقة بالعذاب وإن كان يحتمل أن يغفر له ابتداء من غير توبة وسبق تعذيبه بحكم مشيئته لا بحكم ملكه وجبروته والمعتزلة قيدوا قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاًبالتوبة وحملوا هذا المطلق على ما قيد في مواضع آخر دفعا للتناقص ، إلا أن قولهم بالتقييد في غير هذا الموضع محل نظر إذ لم يصرح في شيء من المواضع بأن المغفرة متوقفة على التوبة .
وغاية ما ذكر أنه تعالى ذكر المغفرة بعد ذكر التوبة وهو لا يستلزم عدم حصول المغفرة بدونها كما لا يستلزم ذكر الإنابة والإخلاص بعد ذكر المغفرة عند حصولها لها بدونها كما في هذه الآية . والمصنف رد على الزمخشري في تقييد المغفرة بالتوبة بأن التقييد خلاف الظاهر فلا يصار إليه بلا ضرورة ، ثم استدل على أن غفران ما عدا الشرك من الذنوب مطلق غير مشروط بالتوبة بوجوه : الأول قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ[ النساء : 48 ، 116 ] ووجه الاستدلال به أن الشرك الغير المغفور هو الذي لم يتب عنه ضرورة أن المشرك إذا تاب من شركه وأسلم يغفر له شركه فيكون المراد بما دون الشرك المغفور لمن يشاء ما لم يكن مسبوقا بالتوبة وإلا لم يتطابق النفي والإثبات . والثاني التعليل المستفاد من قوله تعالى :إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُفإنه لاشتماله على صيغتي المبالغة