المغفرة ، وتقديم ما يستدعي عموم المغفرة مما في عبادي من الدلالة على الذلة والاختصاص المقتضيين للترحم ، وتخصيص ضرر الإسراف بأنفسهم والنهي عن القنوط
شرح
وهما صيغتا فعيل وفعول يدل على أن الغفران والرحمة مطلقان غير مقيدين بالتوبة لأن كونهما في غاية الكمال إنما يكون إذا كانا غير مشروطين وكذا ما فيه من الدلائل على الحصر يدل أيضا على أن غفرانه ورحمته تعالى في غاية الكمال ومن وجوه كمالهما كونهما غير مشرطين بالتوبة . والثالث أنه تعالى لم يكتف بتوصيف ذاته بالمغفرة البالغة الذي هو في قوة الوعد بها بل أردفه بتوصيفها بالرحمة البالغة بها فإن قوله : « الرحيم » يفيد فائدة زائدة على ما يستفاد من قوله : « الغفور » ، فإنه قوله الغفور إشارة إلى محو ما يوجب العقاب وقوله :
« الرحيم » إشارة إلى التفضل بالثواب ومن هذا شأنه لا يليق به أن تكون مغفرته مشروطة بالتوبة . والرابع تقديم ما يستدعي عموم المغفرة وهو أن عبر عن المذنبين بلفظ العباد المشعر بالذلة والمسكنة وإن أضاف اللفظ المذكور إلى نفسه بياء الإضافة ، ولا شك أن اللائق بالكريم الرحيم إفاضة الخير والرحمة على المسكين المحتاج من غير تقييد واشتراط بشيء وأن شرف الإضافة إليه يدل على الأمن من عذابه مطلقا تاب أو لم يتب . والخامس أن تخصيص ضرر إسرافهم بهم وإرجاعه إليهم توصيف لهم بجهل وخامة عاقبة الإسراف وهو أيضا يشعر بأن تكون مغفرته لهم غير مشروطة بشيء . والسادس أنه تعالى أطلق النهي عن القنوط من الرحمة وهو في قوة الأمر برجاء الرحمة مطلقا ، والكريم إذا أمر بالرجاء والرحمة مطلقا فهو آمر برجاء المغفرة مطلقا بطريق الأولى . والسابع أن إطلاق الرحمة وعدم تقييدها بنوع منها إطماع فيها بجميع وجوهها فتقييد المغفرة بالتوبة ينافي إطلاق الرحمة . والثامن أن تعليل النهي عن القنوط من الرحمة بقوله :إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَيدل على إطلاق المغفرة إذ لا وجه لتعليله بالمغفرة المقيدة . والتاسع أنه تعالى قال أولا :يا عِبادِيَفكان الظاهر أن يقول بعده : لا تقنطوا من رحمتي إلا أنه تعالى قال :لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِبوضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بأن رحمته غير مشروطة فضلا عن مغفرته . والعاشر التأكيد بالجميع فإنه تعالى لو قال :يَغْفِرُ الذُّنُوبَمن غير تأكيد بقوله :جَمِيعاًلحصل أصل المعنى لكنه أردفه بقوله : « جميعا » ليدل على كمال مغفرته ، ومن جملة كمالها كونها غير مشروطة بالتوبة . وقوله عليه الصلاة والسّلام : « ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بها » أي بهذه الآية والباء في قوله : « بها » للمقابلة والمعنى : ما أحب أن أملك الدنيا وما فيها بهذه الآية ، وذلك لأنه تعالى وعد فيها المسرفين من عباده أن يغفر لهم ذنوبهم جميعا ونهاهم عن أن يقنطوا من رحمة اللّه الواسعة وهي أرجى آية في حق عصاة المؤمنين . فقال رجل على سبيل الاستبعاد : ومن أشرك أي وذنوب من أشرك على أنه معطوف على قوله تعالى :الذُّنُوبَ