غائبين عن عذابه أو عن الناس في خلواتهم أو غائبا عنهم عذابه .
وَأَقامُوا الصَّلاةَ
فإنهم المنتفعون بالإنذار لا غير ، واختلاف الفعلين لما مرّ .
وَمَنْ تَزَكَّى
ومن تطهر من دنس المعاصي
فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ
إذ نفعه لها . وقرىء « ومن أزكى » فإنما يزكي
شرح
ولو كان المعنى لا يحمل مدعوها شيئا منه ولو وجد ذو قربى لفاتت الملائمة لعموم اعتبار كونه مدعوا . قوله : ( أو غائبا عنهم عذابه ) فيكون« بِالْغَيْبِ »حالا من المفعول المقدر لأن تقدير « يخشون ربهم » يخشون عذاب ربهم فحذف المضاف . وإن فسر بقوله : « غائبين عنه » أي عن العذاب يكون حالا من الفاعل . قوله : ( واختلاف الفعلين لما مر ) أي في تفسير قوله تعالى :فَتُثِيرُ سَحاباً[ فاطر : 9 ] من أن اختلاف الأفعال للدلالة على استمرار الأمر فقوله :
« لما مر » هو الدلالة على استمرار الأمر . قوله : ( فإنهم المنتفعون بالإنذار لا غير ) أي لا غير إنذارك . إذ لا يستقيم حمل الكلام على ظاهره لظهور أنه عليه الصلاة والسّلام كان ينذر جميع الناس سواء كانوا أهل الخشية أم لا . وعدل عنه للتنبيه على أن الإنذار الغير النافع كعدمه وأن غير أهل الخشية كأنهم لم ينذروا أصلا . قوله تعالى :( وَمَنْ تَزَكَّى )أي بأن يعمل خوفا من عذاب ربه بالغيب على حسب ما يقتضيه الإنذار ويفعل الطاعات ويترك المنكرات ، فإن منفعة ذلك راجعة إليه واللّه تعالى غني عن العباد . وهو جملة معترضة وقعت بين قوله :إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَوبين قوله :وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُإلى قوله :وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ[ فاطر : 22 ] الآية لأنه متصل بالأول .
والمقصود من الكل تسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه تعالى لما أظهر غضبه على من اتخذ من دون اللّه أندادا بقوله :إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْواتبعه بالإنذار بيوم القيامة وأهوالها ، وأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما قرأ عليهم هذه الآية فلم يتعظوا بها ولم ينتهوا عما هم عليه من الشرك وسوء الأفعال ، التفت إلى حبيبه صلّى اللّه عليه وسلّم تسلية له وخاطبه بأن نعى إليه تمردهم وعنادهم وأن الوعظ لا يؤثر فيهم وأنهم لا يخافون عقابه لأنهم جهال لا يتفكرون في العاقبة ، والوعظ إنما يؤثر فيمن توقع أنه لا بد من المصير إلى اللّه فيخشى عقابه ومثلهما مثل الأحياء والأموات وأن مثل الكفر والإيمان الظلمات والنور ، وأن مثل الجنة والنار الظل والحرور فأنّى تتساوى هذه الأشياء . وعلى هذا التقدير ظهر أنها معترضة والكلام المعترض إنما يؤتى به لتحقيق ما تقدم عليه وتأكيده فهذا الكلام جيء به ترغيبا لهم أي لأهل الخشية وتقوية لنشاطهم على الخشية وإقامة الصلاة لأنهما من جملة ما يتزكى به فكأنه قيل : ومن فعلهما فنفعهما لا يعود إلا إليه .
قوله : ( وقرىء ومن أزكى فإنما يزكي ) أصل أزكى تزكى على وزن تفعل أدغمت التاء في الزاي ثم أتي بهمزة الوصل للابتداء . وأصل يزكى يتزكى على وزن يتفعل فأدغمت التاء في الزاي كما أدغمت في الذال نحو : يذكرون في يتذكرون . ضرب البصير مثلا للمؤمن من