تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشيه محيى الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
وهو تخصيص له ببعض مدلوله .
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
( 28 ) علة أخرى مرتبة على الأولى
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
للمشرك والموحد
رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ
مثل المشرك على ما يقتضيه مذهبه من أن يدعي كل واحد من معبوديه عبوديته ويتنازعون فيه بعبد يتشارك فيه جمع يتجاذبونه ويتعاورونه في مهامهم المختلفة في تحيره وتوزع قلبه والموحد عن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل . و « رجلا » بدل من « مثلا »
شرح
المصنف بهذا القول لأنه تخصيص للعوج ببعض مدلوله فإن عوج اليقين هو الشك لا محالة وكون العوج المذكور في البيت بمعنى الشك إنما يدل على أن الشك من جملة مدلوله ولا يدل على أن ليس له مدلول غيره . وقد شاع عند أهل اللغة أن العوج بالكسر بمعنى الاختلال المختص بالمعاني مطلق فقول القائل تخصيص له ببعض مدلوله من غير دليل . قوله : ( علة أخرى مرتبة على الأولى ) بيّن أولا أن الحكمة في ضرب هذه الأمثال اتعاظهم بسبب أن يعلموا ما وعد اللّه للمتقين وأوعد للعاصين ، وبيّن ثانيا أن ذلك لأن يتقوا اللّه في أن يوقع بهم ما وعدهم به من العذاب وقدم العلة الأولى لأن التذكر متقدم على الاتقاء والاحتراز . ثم إنه تعالى لما شرح وعيد الكفار نبه على ما يدل على فساد مذهبهم وقبح طريقهم فقال :ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًاالآية . قوله : ( مثلا ) مفعول « ضرب » بمعنى بيّن « ورجلا » بدل من « مثلا » . وفي الكلام حذف مضاف تقديره : مثلا مثل رجل و « شركاء » مرفوع على الابتداء وجاز الابتداء بالنكرة لتخصيصها بالظرف المتقدم وفيه خبره و « متشاكسون » صفة شركاء ، والجملة الاسمية منصوبة المحل على أنها صفة « رجل » . ويجوز أن تكون جملة ظرفية منصوبة المحل على أنها صفة لرجل و « شركاء » فاعل للظرف و « متشاكسون » صفة لشركاء . والتشاكس التخالف ، وأصله سوء الخلق وعسره وهو سبب التخالف والتشاجر يقال : شكس شكاسة فهو شكس من باب علم إذا كان صعب الخلق ضيق البال . وهذا مثل للمشرك الذي يعبد آلهة شتى وللموحد الذي يعبد اللّه وحده ، فالذي عبد الأصنام مثله كمثل عبد فيه شركاء ملاك بينهم اختلاف كل واحد منهم يدّعي أنه عبده فهم يتجاذبونه لاستعماله في مهن شديدة صعبة ، وإذا عنت له حاجة تدافعوه وأحال كل واحد منهم إلى غيره فهو متحير في أمره لا يدري أيهم يرضى بخدمته وعلى أيهم يعتمد في حاجته ؟ والذي وحّد اللّه وعبده كعبد خلص لواحد فاعتنى في خدمته واعتمد عليه في حاجته وأي هذين العبدين أصلح حالا وأفرغ بالا . قوله : ( على ما يقتضيه مذهبه ) وهو آلهة شتى وإثبات عبوديته لها فإنه يقتضي أن يدعى كل واحد من معبوديه عبودية ذلك المشترك . قوله : ( بعبد ) متعلق بقوله : « مثل المشرك » وكذا قوله : « في تحيره » وقوله : « والموحد » منصوب بالعطف على المشرك . وهذا المثل في غاية الحس في الدلالة على تقبيح الشرك وتحسين التوحيد ، فإن قيل : لا حسن فيه لعدم انطباقه